التقدم الأخلاقي والقضية المجهولة

بقلم Toby Ord و⁠William MacAskill
العطاء الفعالبناء الإيثار الفعالتحديد أولويات السبب

محضر كلمة توبي أورد وويل ماكاسكيل الافتتاحية في المؤتمر العالمي للإحسان الفعال في سان فرانسيسكو عام 2016

William MacAskill: مرحبًا بكم في المؤتمر العالمي للإحسان الفعال. أقولها كل عام وكل عام يصح قولي هذا. مرحبًا بكم في أكبر تجمع لمجتمع الإحسان الفعال شهده العالم على الإطلاق. إنه لمن دواعي سروري على الإطلاق أن أقدم هذا المؤتمر حول ماضي، وحاضر، ومستقبل الإحسان الفعال. أقدم لكم الآن الدكتور توبي أورد، الذي سيتحدث عن ماضي الإحسان الفعال قبل أن أتحدث أنا عن الفترة الحالية وكيف قد يبدو مستقبل الإحسان الفعال.

أهم محادثة في حياتي

يسعدني أن أقدم لكم توبي لأنه ما من أحد في العالم كان له أثر إيجابي على حياتي أكبر منه. التقيت توبي لأول مرة في ربيع عام 2009 في أكسفورد. حين كان لدي فكرة لأطروحة الدكتوراة وقال المشرف على رسالتي: «إذا كنت مهتمًّا بهذه الفكرة فعليك التحدث مع توبي» ولذا قد ترى أنه ما من شئ غريب هنا. مجرد اثنين من طلاب الدراسات العليا في الفلسفة بجامعة أكسفورد يجتمعان في فصل الربيع. ولا بد أن الساحة التي التقيا بها كانت رائعة الجمال.

قد تبدو تخيلاتكم مثل شيئ من هذا القبيل، ولكن كما يعلم الكثير منكم، فإن أهم محادثة في حياتي حدثت في مقبرة،

وهذا شاهد قبر حقيقي من المقبرة التي تحدثنا بجوارها، بالرغم من أنه مبالغ فيه نوعًا ما. كان ذلك في كليتي في أكسفورد. وهي مدينة ذات مناظر أكثر خلابة، بالرغم من وجود الكثير من القبور هناك.

لتقيت توبي في فترة كنت أعاني فيها من اضطراب أخلاقي شديد. كنت قد تأثرت كثيرًا بأفكار بيتر سينجر Peter Singer، وأمضى طلاب جامعتي عطلتهم الصيفية الماضية في جمع التبرعات لصالح منظمة كير الدولية. لقد أمضيت وقتي كله في الحديث عن الفقر الحاد وعن مقدار الخير الذي يمكننا تحقيقه إذا اخترنا التبرع ببعض أموالنا لمحاربة الفقر العالمي. ولكن ما اكتشفته عندما وصلت إلى أكسفورد هو أن جميع الأكاديميين الذين تحدثت إليهم ينتابهم الكثير من القلق. تقبل الكثيرون منهم مثل هذه الأفكار، لكن قلة قليلة منهم كانوا يطبقونها.

ولهذا السبب عندما التقيت توبي، كنت مذهولًا تمامًا. التقينا، كان من المفترض أن يستمر لقاؤنا لمدة ساعة، ولكنه استمر لخمس ساعات. وإذا كنت قد قابلت توبي من قبل وتعرف قدرته المذهلة على التحدث لساعات طويلة فلن تتفاجأ من كلامي. ومع ذلك، تمنيت استمرار حديثنا حتى مطلع الفجر. لكنه أخبرني بأفكاره الغريبة، حدثني عما يُطلق عليه سنة من الحياة الصحية quality-adjusted life year (QALY). وعن الديدان المعوية. والتأثير الكمي لمواد غذائية مختلفة، ومنتجات اللحوم التي من الممكن استهلاكها أو تجنبها، وكيف أنها تضر برفاه الحيوان. أخبرني أنه كان قلقًا بشأن ما يُسمى المخاطر الوجودية وفي ذلك الوقت اعتقدت أنه مجنون بالفعل. ولكن الأهم من ذلك كله، أنه أخبرني عن العهد الذي قطعه على نفسه بالتبرع بمعظم دخله على مدار حياته.

وكان لا يزال طالبًا في الدراسات العليا في ذلك الوقت. كان يعيش على دخل 9,000 جنيه إسترليني فقط، يدخر منهم 2,000 ويتبرع بمثلها. ويخطط للتبرع بالغالبية العظمى من ذلك. وكان لديه فكرة لإنشاء Giving What We Can، منظمة خيرية هدفها حث أكبر عددٍ ممكن من الناس على التبرع بنسبة 10% من دخلهم للجمعيات الخيرية الأكثر فعالية. في تلك المرحلة، كنت على اتفاق تام معه. وتخليت عن جميع مشاريعي الأخرى فقط حتى أتمكن من التركيز على فكرة تأسيس المنظمة بقدر ما أستطيع. ولدواعي الحظ، أسسنا سويًّا مبادرة Giving What We Can بعد ستة أشهر. ومنذ ذلك الحين، لم يتزعزع إيماني بأفكاري.

إنه لمن دواعي سروري المطلق أن أقدم توبي للحديث عن تاريخ الإحسان الفعال. كما ذكرت سابقًا، ما من أحد في العالم كان له أثر إيجابي على حياتي أكبر من أثره. لولا فرصة لقائي به في عام 2009، ربما كنت لا أزال أعمل على دكتوراة في فلسفة اللغة. وكانت أطروحة الدكتوراة مصيرها في مكتبة يملؤها الغبار. وستكون حياتي خاوية المعنى. أقدم لكم توبي أورد للحديث عن تاريخ الإحسان الفعال. تفضل يا توبي بالحديث.

Toby Ord: شكرًا لك يا ويل. مقدمتك الدافئة جعلتني عاجز عن الحديث. في الواقع، لو لم أقابل ويل، لا أعتقد أنكم جميعًا كنتم ستكونون هنا في الوقت الحالي. لقد بذل الكثير من الجهد لتطبيق ونشر فكر الإحسان الفعال، بما في ذلك ما كان في وسعنا في تلك الأيام الأولى، وهو ما سأشرحه بعد قليل.

لوضع فكر الإحسان الفعال في سياقه التاريخي الصحيح، فيجب علينا أن ننظر في السياق التاريخي قبل حدوث مناقشتي مع ويل في المقبرة، وقبل تأسيس Giving What We Can، وأن نتحدث عن تاريخ الأفكار.

الثورة العلمية

أول فكرة مهمة نبدأ بها لإعطائنا بعض السياق هي الثورة العلمية. في القرن السابع عشر في أوروبا، ظهر العديد من العلماء العظماء، مثل كوبرنيكوس، وجاليليو، ونيوتن، والعالم العصري فرانسيس بيكون، الذي استلهم تلك الأفكار وجمعها للمساعدة في إقامة الجمعية الملكية والنهوض بالعلم.

ما يثير الاهتمام بشأن الثورة العلمية هو أنه حتى تلك هذه المرحلة، لم تكن فكرة التقدم الفكري مطروحة بالأساس. كان الناس في العصور الوسطى، وحتى أوائل عصر النهضة، متأثرين بالفكر القديم. الرواية السائدة كانت أن اليونانيين لديهم الكثير من المعرفة، يليهم الرومان، وانخفضت حصيلة المعرفة شيئًا فشيئًا بعد ذلك في العصور المظلمة والعصور الوسطى. وكانوا يتشبثون من أجل الحفاظ على تلك المعرفة من الزوال، باعتبارها موردًا محدودًا يتناقص باستمرار، وعندما أراد الناس معرفة إجابة سؤال ما، كانوا يحاولون البحث عن الإجابة في كتابات أرسطو، بدلًا من محاولة معرفة الإجابة بأنفسهم.

الثورة العلمية غيرت تمامًا من مسار الأحداث ليكون الهدف هو التطلع إلى الحداثة بدلًا من التشبث بالماضي وخلقت طريقة لخلق المعرفة بطريقة منهجية. في هذه المرحلة، فهمت البشرية الدور المركزي الذي تلعبه الرياضيات وفهم العالم والدور المركزي للمنهج التجريبي أيضًا. وما زالت هي أفضل طريقة للبشرية لمعرفة الحقائق عن العالم. وبعد مائة عام، بدأنا نرى تطبيقات هذا الفكر خارج العلوم الطبيعية. في أوروبا، كان هناك حركة التنوير، التي كانت نتاج تطبيق المنطق والدليل على أشياء متعددة في المجتمع. ستبدأون في فهم كيف أن كل هذا متصل بفكر الإحسان الفعال. وظهرت مجالات جديدة لم تكن موجودة من قبل مثل علم الاجتماع والاقتصاد والقانون، حيث أن تلك الأفكار شقت طريقها تجاه العلوم الاجتماعية. وربما الأهم من ذلك، أنها تضمنت إعادة النظر في الهياكل السياسية. وظهرت أفكار الحرية والمساواة والأخوة، على سبيل المثال، تلك الأفكار هي التي أدت إلى قيام الثورة الفرنسية للإطاحة بالنظام الملكي. كما أدت أيضًا إلى إعلان الاستقلال. كما أدت إلى إنهاء السلطة غير الخاضعة للمساءلة. وهذا يتضمن كلًّا من السلطة السياسية المستمدة من الحق الإلهي للملوك من جهة، وسلطة الرموز الفكرية، وإنهاء تقديس فكر أرسطو، وما إلى ذلك، من جهة أخرى. لقد تحدوا هذه الأفكار وحاولوا معرفة مدى صحتها، فكيف تتناسب أفكار الإحسان الفعال مع هاتين الفكرتين الكبيرتين؟

حسنًا، إحدى الطرق للتفكير في الإجابة هي اعتبار الإحسان الفعال هو السعي وراء الخير كما كانت الثورة العلمية هي السعي وراء الحقيقة. ربما هناك طريقة أخرى للإجابة عن كيف يتقاطع فكر الإحسان الفعال مع أفكار التنوير؟ حسنًا، تضمن فكر التنوير إعادة التفكير في أفضل الأنظمة السياسية لتطبيقها، في حين أن الإحسان الفعال يعيد التفكير في أفضل الإجراءات المتبعة، سواء كانت تلك الإجراءات على المستوى الفردي أو الحكومي مثل أفضل السبل لإدارة برنامج مساعدات وخلافه، بدلًا من التفكير في أفضل السبل لإعادة هيكلة المجتمع. ذكرنا اثنين من أهم مؤشرات الترابط بين الاثنين، أما المؤشر الرئيس الثالث في تاريخ الأفكار، والذي يرتبط جدًّا بالإحسان الفعال، فهو النفعية، التي ابتكرها بنثام Bentham في عام 1780 عندما نشر كتابه مقدمة في مبادئ الأخلاق والتشريع.

وهي وثيقة مذهلة. كان بنثام باحثًا قانونيًّا في بريطانيا، وهو من ابتكر النفعية ومبدأ تعظيم السعادة الذي ينص على أن غاية كل التشريعات يجب أن تكون تحقيق السعادة الأعظم لأفراد المجتمع. ثم بدأ في تطبيقه على الفور. لقد كان يهدف إلى إنشاء هيكل نفعي شامل للتشريعات (لكنه لم يتمكن من تحقيق ذلك) وتحسين السياسة العامة جذريًّا. وهذه مجرد بعض الأمور التي سعى إليها (وتذكر التاريخ عام 1780) والتي تحدث عنها في كتابه هذا. دافع عن الحرية الفردية والاقتصادية، والفصل بين الكنيسة والدولة، والحقوق المتساوية للنساء في عام 1780. الحق في الطلاق، وإلغاء تجريم المثلية الجنسية، وإلغاء العبودية، وإلغاء عقوبة الإعدام، وإلغاء العقوبات الجسدية، واحترام رفاه الحيوان. ومع ذلك لازلنا لم نستطع تحقيقها كلها حتى اليوم. ولكن الأفكار التي كان يدعو إليها من هذه المبادئ مشابهة جدًّا لبعض أفكار الإحسان الفعال. لقد أصبحت العديد من هذه الأمور مألوفة، لكنها كانت مثالًا على المحاولة الحقيقية لاستخدام المنطق والأدلة من أجل التقدم. وقام جون ستيوارت ميل وهنري سيدجويك بإكمال عمله والإضافة إليه. وفي الآونة الأخيرة، بذل بيتر سينجر في السبعينيات الكثير من الجهود، حيث لم ينصب عمله على مستوى الدولة بل على المستوى الفردي. قدم نماذج قوية ومقنعة جدًّا عن الإنجازات التي حققها العمل الفردي بشأن الفقر ورفاه الحيوان.

كيف يتلاءم الإحسان الفعال مع كل ذلك؟

كيف يتلاءم فكر الإحسان الفعال مع هذه الأفكار؟ في الواقع الإحسان الفعال ليس مذهبًا نفعيًّا. إن فكره أوسع من ذلك بكثير. حيث يقبل مختلف آراء الفكر المتنوعة حول ما يجعل حياة فرد ما تؤول إلى الأفضل. لا ينبغي بالضرورة أن تكون السعادة فحسب هي المسبب الرئيس. ولكن العديد من الأمور الأخرى ذات الأهمية المتساوية، مثل المساواة بين الناس أو الحقوق أو العديد من الجوانب الأخرى المتعلقة بالأخلاق. التشابه الرئيس، من وجهة نظري، بين النفعية وحركة الإحسان الفعال هو أنه كان هناك تركيز على اتخاذ خطوات لمساعدة الآخرين، وليس الاكتفاء بكونك شخصًا نزيهًا وعدم ارتكاب أي خطأ. محور الفكرين هو اتخاذ خطوات لمساعدة الآخرين وفعل الخير. كان هناك أيضًا تركيز حقيقي على النطاق. إذا كانت هناك مشكلة أكبر بعشرة أو مئة ضعف من مشكلة غيرها، فإنهم يأخذون ذلك على محمل الجد ويجعلونه ذا أهمية مركزية. بما في ذلك إعادة التفكير في الوضع الراهن.

الاهتمام بالطب

إليك بعض الأمور الأخرى التي تنطبق على عصرنا الحالي. وأرى أن هذا مثير للاهتمام حقًّا. ففي تاريخ الطب، من أهم الأمور التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر، كانت اتباع أسس المنهج العلمي في الطب. جاء هذا بعد 200 عام من تطوير المنهج العلمي، كما تعلمون. وكانت هذه هي المرة الأولى التي حاولوا فيها معرفة طرق تحسين الصحة، بدلًا من مجرد التجربة العشوائية أو احترام السلطة. كان أشهر من حقق ذلك إجناز سيملفيس Ignaz Semmelweis، وجون سنو John Snow، ولويس باستور Louis Pasteur، وروبرت كوخ Robert Koch الذين طوروا النظرية الجرثومية للأمراض، والتي أدت إلى إنقاذ مئات الملايين من الأرواح على الأقل، أو ربما المليارات. حدثت تحسنات جذرية بمجرد ما بدأ تطبيق المنهج العلمي على الطب. ثم كان هناك تقدمًا آخر كبير يتمثل في تطبيق تحديد الأولويات، والتي كانت المرة الأولى التي يحاول فيها الناس تحسين الصحة العامة قدر الإمكان. لنفترض أننا نريد أفرادًا أكثر صحة بدلًا من أفراد أقل صحة. سنقوم في الواقع بتحديد أولوياتنا بناءً على مدى فعالية هذه الأشياء من حيث التكلفة، بحيث يمكننا حتى بميزانيتنا المحدودة، الاهتمام بالصحة العامة بأكبر قدر ممكن.

أبرز اللحظات

  • في 1968: تطوير سنة الحياة الصحية Quality-adjusted life year.
  • في 1999: كان إنشاء المعهد الوطني للفحوص الإكلينيكية الممتازة في المملكة المتحدة، والذي حاول تحديد أولويات الصحة، وكان أمرًا مثيرًا للإعجاب وأدى إلى نتائج صحية أفضل بكثير.

إحدى القصص المشابهة كثيرًا، وبطريقة مثيرة للاهتمام، كانت عن الفقر العالمي. ففي الخمسينيات من القرن العشرين، كما نعرف، بدأت برامج المساعدات الدولية Aid سواء من جانب الحكومة أو من جانب المنظمات غير الحكومية. وبدأ تطبيق المنهج العلمي في تلك البرامج بعد ذلك بفترة وجيزة. وهذه خطوة كبيرة جدًا حيث كانت تُناقَش تلك البرامج بالأساس بين المسؤولين الذين تنشب بينهم خلافات. إحدى تلك الأمثلة المشهورة عن هذه الخلافات كانت عن شبكات الملاريا، هل يبيعوها بمبلغ بسيط بدلًا من توزيعها مجانًا، حتى يحترم الناس قيمتها بدلًا من استخدامها كشبكة صيد أو أي استخدام آخر في غير محله؟ هناك الكثير من الجدال حول هذا الأمر، ولكن هذا الجدال كان بين المسؤولين فقط، ثم قرر الناس في النهاية، لماذا لا نكتشف ما سيحدث؟ لماذا لا نطبق أفضل أسلوب لدينا للبحث عن الإجابة لهذا السؤال ونتعامل معه بجدية ونكتشفها فعليًّا؟

وهذا ما حدث. لقد اكتشفوا أنه من الأفضل توزيع الشبكات مجانًا. لم يعد هناك جدل حول ذلك الآن لأن الناس توصلوا بالفعل إلى الإجابة. وفي التسعينات، تكرر حدوث ذلك. وفي عام 2002. أُسست منظمة Innovation and Property Action - الابتكارات من أجل مكافحة الفقر. وفي 2003، أُسِس معمل عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر، ومن ثم وضع الأولويات Priority Setting في وقت مماثل. وظهرت المحاولة الفعلية لتحسين حياة الناس في البلدان الفقيرة قدر الإمكان، تحاول أن تقول لماذا لا نفعل الأشياء التي تكون أكثر فعالية بمقدار 100 ضعف؟ لماذا نقوم بأمر لا يساعد سوى 100 شخص بقدر ما نستطيع، في حين أنه لا تزال هناك فرص عظيمة يجب القيام بها؟ كان تقرير التنمية العالمية لعام 1993 بمثابة لحظة محورية بالنسبة لدين جيمسون Dean Jamison وكريس موراي Chris Murray. ومن ثم تأسيس مشروع DCP وWHO Choice، ثم تأسيس Givwell في عام 2007. وفي عام 2008، قدموا أولى توصياتهم في محاولة لمساعدة المتبرعين الأفراد باتخاذ قرارات مدعومة بالأدلة فيما يتعلق بالتنمية والمجالات الأخرى. وفي 2009، تأسست Giving What We Can. هذا هو الكم الهائل من الأفكار وكيف وصل بنا إلى تحقيق هذه الأمور.

Giving What We Can - إعطاء ما نستطيع

لكن الآن أريد أن أعود خطوة إلى الوراء وأحدثكم عن أمور شخصية بعض الشئ. علمتم قصة لقائنا في أوكسفورد. لكنها ليست القصة الكاملة حول نشأة الاتجاهات الأحدث في الإحسان الفعال. لكني أرى أنكم ستستفيدون أكثر من الحديث عن الأمور التي شهدتها مطبقة على أرض الواقع، والتي يمكنني التحدث عنها مطولًا. في عام 2005، كنت أدرس البكالوريوس في الفلسفة في جامعة أكسفورد. تشتهر فترة الامتحانات بجامعة أكسفورد في الشتاء بأننا نعزل أنفسنا نوعًا ما لمدة 14 أسبوعًا ونكتب الكثير من المقالات. وهذا في الأساس التقييم بأكمله. وكتبت إحدى المقالات. لقد نظرت إلى قائمة المواضيع ورأيت موضوعًا مثيرًا للاهتمام حول الفقر العالمي. في الواقع، كان عنوانه «هل ينبغي لنا أن نتخلى عن الرفاهية حيثما استطعنا من أجل إنقاذ حياة شخص ما». قد يبدو في البداية إن إجابة هذا السؤال هي قطعًا نعم. ولكن بعد ذلك إذا فكرت في الأمر وكيف ينطبق على حياتك، ترى أن هذا يعني أنه ربما قد لا تتمكن من شراء أي رفاهيات لأنه يجب عليك مساعدة الناس في البلدان الفقيرة بدلاً من ذلك. فكرت في هذا الأمر مليًّا. قرأت كتابات بيتر سينجر Peter Singer، وبيتر أنجر Peter Unger، وكانت هناك كتابات ممتازة جدًا. ومن هذه اللحظة قررت أخذ هذا الأمر على محمل الجد وبذل جهد من أجل القضاء على الفقر العالمي. ولكنها لم تكن فكرة محورية بالنسبة لي من قبل. أمضيت بضعة أسابيع فقط في النظر في هذه الأسئلة وكان عليّ مواجهتها والتفكير فيها. ورؤية هؤلاء الأشخاص الآخرين يمهدون لي بعض الطريق كان أمرًا ذا قيمة كبيرة وحثني على القيام بذلك، وبأنه يجب أن تكون هذه فكرة محورية بالنسبة لي. لقد التزمت بالتبرع بمعظم أموالي طوال حياتي وأن أعيش على دخل محدود. وتحدثت عن ذلك كثيرًا مع زوجتي. ثم في عام 2006، قررت أنني بحاجة إلى إنشاء منظمة تشجع الآخرين على القيام بذلك أيضًا. وتواصل معي بعض الناس بخصوص رغبتهم في المشاركة معي في تشجيع هذا. كنت بحاجة إلى إيجاد طريقة لتطبيق هذه الفكرة. وقد راودتني فكرة إنشاء منظمة تتضمن التبرع أكثر وبفعالية أكبر. لكن لم يكن لدي في تلك المرحلة كل التفاصيل حول كيفية إنشاء منظمة كهذه بالظبط. ظللت أفكر في الأمر، والتحدث عنها مع زملائي في أكسفورد وكل من استمع إليّ حول هذه المواضيع. تلقيت العديد من الآراء، واستمريت بتحسين الأفكار، لدرجة أنني أعتبر أنهم هم من أنهوا رسالة الدكتوراة التي أقوم بها. وكانت هذه الفترة بمثابة تشتيت ذهني. ولكن بعد وقت قصير من تسليم رسالة الدكتوراة. بعد بضعة أسابيع، تلقيت إيميل مفاده أنني يجب أن أقابل ويل كراوتش. وكل ما أعرفه عنه في تلك المرحلة هو أنه كان يدرس نفس ما أدرسه في الجامعة وأنه كان يرتدي سترة من الصوف. لذلك تمكنت من التعرف عليه عندما رأيته. وتقابلنا عند المقبرة في كليته. وأخيرًا التقيت بشخص نقي ومتحمس جدًّا لفكرة مشروعي ولكل أفكارنا. وبالإضافة إلى ما ذكره، تحدثنا عن تأثير الاختيارات المهنية واللوكانات⁠a وكيف يمكن أن تكون ذات صلة باختيار المهنة في تلك المرحلة. وكما قال بن تود Ben Todd، أننا لم نقدّر مدى أهمية هذا الأمر في البداية. لذا، سأكون مهتمًّا بمعرفة ما سيقوله حول ذلك. وبعد ذلك مع عرض ويل، تطورت الأمور بسرعة صاروخية. حيث اجتمعنا سويًّا، وأمضينا كل وقتنا في هذا الأمر، محاولين إنجازه حتى وقت إطلاق المشروع بعد بضعة أشهر. وعقدنا افتتاح المشروع، إليكم بعض الذكريات.

معنا اليوم آلان فينيك من منظمة SCI، أول مؤسسة خيرية نوصي بها، وهو يشكرني أنا وزوجتي. وهناك العديد من الأشخاص بين الجمهور الذين ما زالوا موجودين، وما زالوا جزءًا من حركة الإحسان الفعال.

في هذه الصورة، يوجد بن تود Ben Todd من موقع 80,000 ساعة، وبابلو ستافوريني Pablo Stafforini من مركز الإحسان الفعال CEA. وميشيل هاتشينسون Michelle Hutchinson من Giving What We Can والآن تعمل في معهد أكسفورد للإحسان الفعال.

وأعتقد أن هذا هو ويل، عندما كان شعره أطول قليلًا. وكان هناك اهتمام كبير وقت حفل الانطلاق. لم نكن متأكدين من سيحضر. لقد كان هناك طوفان من الاهتمام الإعلامي - وإليكم بعض القصاصات. فكر الكثير من الناس، «لن ينجح أبدًا هذا المشروع، أليس كذلك؟» كما تعلمون، كانوا متحمسين للتحدث معي واعتقدت أن هذا أمرًا مثير للاهتمام.

لكنهم على الجانب الآخر كانوا يقولون «لا تعتقد أن هناك أحدًا سيفعل هذا حقًا؟». في هذه المرحلة، كان هناك 32 شخصًا قد شاركوا معنا - الأعضاء المؤسسون الذين تعهدوا بالتبرع بنسبة 10% من دخلهم، أظن أن ربعهم تقريبًا حاضر معنا اليوم. وأراد المزيد من الناس الانضمام إلينا.

وصلت إلى طاولة الطعام وبدأت في إرسال النماذج إلى الأشخاص حتى يتمكنوا من الحصول على المعلومات والتسجيل. وبدأ عدد المشاركين معنا في التزايد بسرعة كبيرة. كان ينمو بمعدل 90% سنويًا خلال تلك الفترة، أصبح لدينا حوالي 100 ضعف عدد الأعضاء الذي كان لدينا قبل ستة أعوام ونصف فقط، أي ما يقرب من 2,000 عضو.

في الواقع، كانت لحظة مذهلة حقًّا عندما كنت في اجتماع في مدينة سياتل لإعادة تعريف مفهوم سنة الحياة الصحية المفقودة DALY. كان الاجتماع يضم حوالي 20 شخص، ربعهم كان من منظمة Giving What We Can. إنها حركة شعبية، ولكنها تحظى أيضًا بدعم كبير من الأشخاص العاملين في منظمات معنية بتحديد الأولويات في العالم والفعالية من حيث التكلفة.

هذا رسم بياني لمبلغ الأموال التي تُعُهِّد بالتبرع بها، وكلا الأمرين أجدهما مذهلين حقًا. لمعرفة مدى معدل نمو تلك الأموال، وكيف أن المتشككين الأولين كانوا مخطئين، وكم عدد الأشخاص الذين انضموا إلينا، ويتبرعون بأموالهم في مكانها الصحيح لتشجيع الأفراد على التبرع بالمزيد وبطرق أكثر فعالية، مما يؤدي إلى الحصول على فائدة مضاعفة من الناحيتين. على سبيل المثال، إذا قمت بالتبرع بعشرة أضعاف إضافية ووجهتها إلى مكان أكثر فعالية بعشرة أضعاف، فإن أثر عطائك سيكون له مائة ضعف، وقد انضم الكثير من الأشخاص لتحقيق هذا.

80,000 ساعة

وبعد ذلك بقليل، في عام 2011، أطلق ويل وبن مؤسسة 80,000 ساعة. التي تعمل على إعادة التفكير الجذري في كيفية عمل المهن الأخلاقية. تركيزها الأساس على الأثر الذي يُحدثه عملك، وهو أمر، صدقوا أو لا تصدقوا، لم يبحث فيه أحد من قبل. كان محور تركيزهم فقط هو عدم إحداث الضرر، بدلاً من فعل الخير في حياتك المهنية. أو على الأقل كثيرًا. وعلى عكس السائد، ركزوا أيضًا على فكرة الكسب من أجل العطاء التي كانت فكرة جديدة وجذرية كنا نروج لها. وشد هذا المزيج المختلف من الأفكار انتباه العديد من خريجي وطلبة أكسفورد، وكانت أوقات لطيفة حقًّا. سأقول شيئًا لإحراج بِن - هذا هو شعار الحركة في البداية.

الذي لا يعرفه الكثير من الناس هنا هو أن 80,000 ساعة كانت تُسمى في الأصل مهن عالية الأثر. والشيء الذي لا يعرفه سوى عدد قليل منكم هو أنه في الوقت الذي يتوسط الاسمين، كان اسمها 70,000 ساعة، وبعد ذلك زدناهم إلى 10,000 ساعة. والآن بعد أن أصبح لدينا هاتين المنظمتين، العاملتين في هذه المجموعة المختلفة من الأفكار والأشخاص الذين يعملون عليها ويحاولون التفكير فيما إذا كان بإمكاننا إنشاء منظمات أخرى لتوسيع نطاق عملنا، أنشأنا ما يُسمى بمركز الإحسان الفعال.

مركز الإحسان الفعال (CEA)

وبينما كنا نبحث عن اسم لهذه المنظمة، انتهى بنا الأمر إلى تسمية الحركة الأوسع نطاقًا. لم نكن متأكدين في الواقع من مدى جاذبية الاسم وسهولة انتشاره، ولكن أجرينا سلسلة طويلة من المناقشات واستقرينا في النهاية على الإحسان الفعال⁠b. وما يثير الدهشة بالنسبة لي الآن هو أنه منذ أقل من خمس سنوات، تمت صياغة اسم الإحسان الفعال. ولكن تعود جذور فكر الإحسان الفعال إلى ما أبعد من ذلك بكثير، ولكن من المثير للاهتمام أنه اسم حديث اتحدنا جميعًا تحته. كان مركز الإحسان الفعال منظمة جامعة لهذه المشاريع المختلفة وحاضنة أعمال للمشاريع الجديدة، التي تتضمن، Given What We Can، و80,000 ساعة، The Life You Can Save، Animal Charity Evaluators، و Global Priorities Project، وEA Outreach. بعض هذه المنظمات كان يحتاج إلى حاضنة أعمال لفترة مؤقتة فقط، فأخرجناهم، والبعض الآخر لا يزال معنا حتى الآن.

في ذلك الصيف، فكرت في عرض بعض الصور لكم. لم يكن لدينا أي مكاتب، لذلك توجهنا إلى الجامعة. حاولت ميشيل تخصيص بعض المساحات المكتبية لنا، وكان المكان الوحيد الذي وجدته في الصيف هو كليتها بجامعة إكستير.

إليكم صورة ميشيل وهولي أثناء عملهم وما لا يمكن رؤيته تمامًا من هناك هو مكان عملهما.

كنا على شرفة فوق قاعة قديمة من العصور الوسطى، كان مكتبنا عبارة عن مساحة عرضها حوالي أربعة أمتار وطولها عشرة أمتار، عقدنا هناك أيضًا العديد من الاجتماعات لمحاولة تنظيم مجتمع للأشخاص في جامعة أكسفورد المهتمين بالإحسان الفعال، وتحدثنا عن العديد من الأشياء.

هذه صورة لنقاش أجريناه على أرض قلعة في ويلز.

واصلنا أيضًا عملنا الأكاديمي، وكتابة أوراق بحثية حول الأهمية الأخلاقية لمدى الفعالية من حيث التكلفة، والمساهمة مع المنظمات العاملة في تحديد الأولويات مثل مركز عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر، والاقتصاد ومنظمة الصحة العالمية. في عام 2014، عقدنا أول مؤتمر أكاديمي لنا تحت عنوان Good Done Right في أكسفورد.

هذه مجموعة من الصور. هذا ديريك بارفيت، مشرفي السابق على رسالة الدكتوراة. الذي يتفق على العديد من أفكار الإحسان الفعال الأولية. والأفكار التي تعتبر أساسية. سأتحدث عن واحدة من تلك الأفكار في النهاية. في الصورة هنا كان يلقي محاضرة عن أخلاقيات الجموع Population Ethics للجمهور هناك.

هذا جزء من قصة أكسفورد، ولكن لنعد إلى الوراء قليلًا وننظر إلى الصورة الكبرى.

GiveWell

هناك أمور كثيرة حدثت في أماكن أخرى في نفس التوقيت. إحدى هذه الأمور كان تأسيس GiveWell في 2007، وأول منظمة خيرية أُوصي بها في 2008. كانوا يوصون في البداية بالعمل على مجالات مختلفة متعددة مثل التعليم في مدينة نيويورك لأطفال الفئات المهمشة والفقر العالمي. وعلى مر السنين أدرك هؤلاء الأشخاص في أمريكا أنهم غير قادرون على الاستمرار بالعمل بفعالية وكان عليهم اتخاذ قرار باقتصار عملهم على الفقر العالمي فقط لأن هذا ما يمكنهم إحداث تقدم كبير فيه. وفي عام 2011، أصبحوا شركاء لمؤسسة Good Ventures. كان هذا تحولًا كبيرًا لمنظمة GiveWell، بمعنى أنهم كانوا يقدمون المشورة للمنظمات المبتدئة، وأصبحوا يقدمون الاستشارات لصندوق ضخم متأثر بفكر الإحسان الفعال. أيضًا، قمنا بتخطيط المشروع الذي أصبح يُعرف الآن بمؤسسة Open Philanthropy، وهو ذراع لمنظمة GiveWell بالتعاون مع Good Ventures، الذي يبحث عن مشكلات أكبر خارج نطاق الفقر العالمي، وتوسيع مجموعة المجالات التي كانوا يبحثون فيها، ويحاولون ضم مجالات أخرى يُمكن إحداث أثر كبير فيها. وأرى أن هذا تحول ضخم ومثير للإعجاب.

العقلانوية Rationalism

هناك أيضًا مجتمع العقلانوية. كانت أهداف مجتمع العقلانوية هي مساعدة الناس على تكوين معتقدات أكثر دقة حول العالم ومساعدة الناس على تحقيق تلك الأهداف بطريقة أفضل، مهما كانت أهدافهم. المجتمع الأول يُسمى العقلانوية النظرية، والثاني يُسمى العقلانوية العملية. كان هناك أيضًا الكثير من الشكوك حول الحكمة التقليدية. هناك جزأين رئيسين من مجتمع العقلانوية، وهما مدونة تجاوُز التحيز Overcoming Bias، التي أسسها روبن هانسون Robin Hanson وإلييزر يودكوفسكي Eliezer Yudkowsky في عام 2006، ومدونة أقل خطأً LessWrong التي تأسست في عام 2009. كنت أعمل في معهد مستقبل الإنسانية في أكسفورد ومولتُ هاتين المدونتين وشاركت فيهما. في الواقع، لقد كنت أنا من أخبرتهم عن مؤسسة GiveWell وكنت أنا السبب في عملهما معًا. وتبين أنها كانت فرصة ذهبية بالنسبة لجماعة LessWrong الذين أرادوا الحصول على معلومات كمية عن الأعمال الخيرية. عقدنا أيضًا الكثير من المناقشات حول المخاطر الوجودية وكمية لا حصر لها من المناقشات على مر السنين حول ما كانوا يسمونه العمل الخيري الأمثل أو ما نعتقد أنه هو نفسه الإحسان الفعال.

النفعية Utilitarianism

وكان هناك مناقشات أخرى في مجتمع النفعية، وخاصة حول موقع يسمى فيليسيفيا Felicifia عام 2006. وقد نوقشت الكثير من الأفكار المثيرة للاهتمام هناك، بما في ذلك أسئلة مثل هل ينبغي لنا التبرع الآن أم يجب أن نستثمر أموالنا لنتمكن من التبرع بمبلغ أكبر فيما بعد؟ الكثير من الأسئلة التي تعتبر أساسية للإحسان الفعال. بدأت الفكرة في عام 2006، ولكن هناك بعض الأشخاص المؤسسين معنا اليوم. كانوا يسعون لتطبيق مبادئ النفعية على أرض الواقع أكثر من مجرد تطبيق النظرية. ويوجد الكثير من المنظمات التي تسعى لذلك أيضًا. لا سيما مع مرور الوقت، وهي أكثر من أن نتمكن من ذكرها كلها.

دعونا أخيرًا نعود إلى الحديث عن الصورة الكبيرة مرة أخرى. أحد الأسئلة التي أسمعها من حين لآخر وأرى أنه سؤال جيد وصعب هو «لماذا لم تكن فكرة الإحسان الفعال مطروحة من قبل؟» إذا كانت أفكاره تتوافق مع الدين، والتي تضمنت أحيانًا إعادة تفكير جذرية في دورنا كأفراد في المجتمع، وأن كونك شخصًا لا يحدث أي ضرر ليس كافيًا في حد ذاته، ولكن بدلًا من ذلك هناك أمر مهم هو بذل المجهود لعمل الخير في العالم. واستخدام المنطق والأدلة في استكشاف كيف تفعل الخير بدلًا من مجرد اتباع حدسك أو اتباع السائد في المجتمع. إذا كانت آراؤكم صحيحة ومختلفة عن السائد، فما الخطب إذًا؟ كيف تفسرون ذلك؟ كيف تكونوا على حق والآخرون مخطئون أو كيف يتم ذلك؟ ربما يكمن التحدي في أنه إذا كانت هذه فكرة جيدة، فلماذا لم تكن مطروحة من قبل؟

أرى أن هناك بالفعل بعض الإجابات الجيدة جدًّا عن هذا السؤال. أولًا، كان هناك أشخاص يتفقون مع مبادئ الإحسان الفعال على مدار التاريخ. مثل جون ويسلي John Wesley على سبيل المثال. حقق جيف كوفمان Jeff Kaufman إنجازات في العمل على التوعية بقضايا يعمل عليها، وذلك منذ قرون. وجيريمي بينثام Jeremy Bentham، الذي ذكرناه سابقًا، هو مثال جيد عن تلك الحالات. وتغيرت الأمور مؤخرًا بحيث هيأت المجتمع لتبني تلك الأفكار. إحدى تلك التغيرات هي التعليم. هناك المزيد من الأشخاص لديهم معرفة رياضية وعلمية في العالم، لذلك يمتلك الناس الأدوات اللازمة لفهم هذه الأفكار. كما حقق الإنترنت طفرة هائلة في مدى انتشار هذه الأفكار. لقد مكّن الأشخاص ذوي الفكر المشترك من العثور على بعضهم البعض وبناء مجتمع. وما يميز المجتمعات هو أنه حتى لو كان واحد بالمائة فقط من الأشخاص يجدون فكر هذا المجتمع مثيرًا للاهتمام والشغف، فإنهم لا يجدون صعوبة في العثور على بعضهم البعض في عالم ما قبل الإنترنت، ولكن الانترنت مكن من بناء مجتمعات عالمية. السبب الثالث هو البيانات، لدينا الكثير من المعلومات الآن حول ما هو فعال ويساعد على التقدم فعليًّا. هناك أمر أجده مثيرًا للاهتمام جدًا، والذي قد لا يعرفه الكثير من الناس، هو الأثر. لقد تمكنا من إنجاز الكثير في الآونة الأخيرة نسبيًا فقط. فيما يلي بعض التفاصيل الإضافية حول نطاق القضايا المختلفة.

بالنسبة للفقر العالمي. لم نتمكن من المساعدة إلا في الخمسينات. قبل ذلك، كانت المعونات الدولية في الواقع معونات استعمارية تقدمها بريطانيا، قبل الحرب العالمية الثانية. لم تكن المنظمات غير الحكومية قد وُجدت بعد. وبدلاً من ذلك، كان بإمكان الفرد تمويل البعثات التبشيرية المسيحية فقط. ولكن، لم يكن من الواضح أن ذلك سوف يساعد الناس في البلدان الفقيرة فعليًّا. الأدلة العلمية على الفعالية لم تكن موجودة إلا منذ التسعينيات. في الواقع، يبدو أن GiveWell و Giving What We Can نموا أسرع ما يمكن. انتشرت رعاية الحيوان والمزارع الصناعية على نطاق واسع في الستينيات. بعد عقد من الزمن أطلق بيتر سينجر صرخته ليقول إن هذه مشكلة حقيقية وأننا بحاجة إلى اتخاذ الكثير من الإجراءات الشخصية من أجل إيقافه. والمخاطر الوجودية. ولأعطي خلفية عن ذلك: المخاطر الطبيعية نسبتها ضئيلة جدًّا في الواقع. تحدث بنسبة أقل من 0.1% لكل قرن. لكنها لا تزال أمرًا مهمًّا، ولكن في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ومع تطور الأسلحة النووية الحرارية ومخزوناتها التي أنتجتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، طورت البشرية لأول مرة القدرة على تدمير نفسها. ثم نشأ خطر الانقراض البشري المنشأ، والذي فاق الأخطار الطبيعية بكثير. وبمجرد ظهور الخطر النووي، ظهر مجتمع معادٍ للأسلحة النووية في جيل والدي الذي كان جزءًا منه. أنا متأكد من أن العديد من آبائكم كانوا جزءًا منه أيضًا. كان هناك شغف كبير بهذا الأمر. القلق بشأن المخاطر الوجودية هو أمر طبيعي. لنقُل، حسنًا، ليس فقط الأسلحة النووية التي نهتم بمخاطرها. نحن نهتم بالتكنولوجيا القادمة المشابهة التي يمكن أن تهددنا أيضًا. لنحاول أن نكون استباقيين بشأن هذا الأمر ونفكر في الأمور مليًّا، محاولين تقليل تلك المخاطر التي تهدد ازدهار البشرية. منذ الخمسينيات، دخلنا عصرًا جديدًا من فرص الأثر الأخلاقي. لم تكن لدينا أي معلومات موثوقة حول فعالية التكلفة إلا منذ التسعينيات وفي بعض المجالات مثل رعاية الحيوان. لا يزال من الصعب الحصول على تقديرات دقيقة حول فعالية التكلفة. لم يكن هناك وقت كافٍ لاستخدام الحدس المشترك للتفكير بشأن الأخلاقيات. أرى حقًا أن هذا هو طريق المستقبل. سوف يتغير الحدس المشترك بسرعة كبيرة. لقد حدث ذلك بالفعل في مجال العمل الخيري. أنجزت GiveWell الكثير من الجهود بهذا الصدد، حيث جعلت الناس يركزون بشكل أقل على نسب فعالية التكلفة. في الواقع، لقد استبعدوها تمامًا من حساباتهم. ليس من المقبول الآن الحديث عن نسب فعالية التكلفة كما لو كنا نتحدث عن المبلغ الذي يتم إنفاقه على نسب النفقات العامة لأن هذا ليس له صلة بالموضوع. ما يهم حقًّا هو الأثر. أرى أن الحدس المشترك يتغير وأرى أن هذا هو في الواقع طريق المستقبل.

أخيرًا، إلى أين يتجه الإحسان الفعال؟ أنا متفائل بهذا الشأن. ديريك بارفيت Derek Parfit، الذي رأيتموه سابقًا، في كتابه الرائع، الأسباب والأشخاص Reasons and Persons، والذي ربما يكون العمل الفلسفي الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين، لديه فصلٌ أخير في نهاية هذا الكتاب الطويل والصعب جدًا، الذي بعنوان «كيف يمكن للتاريخ البشري وتاريخ الأخلاق أن يكونا في بدايتهما فحسب». هذا الفصل، الذي لا يتجاوز بضع صفحات، يقدم فكرة المخاطر الوجودية ويحاول التوعية بها باعتبارها مصدر تهديد كبير للبشرية وأنها قد تكون واحدة من أهم القضايا الأخلاقية. أرى أنها فكرة مثيرة للاهتمام وقوية جدًّا عندما قرأتها. وهو يرى أن الأمر مهم للغاية لأن تاريخ البشرية ربما يكون في البداية فقط. تحدثنا قليلًا عن تاريخ الأفكار، ولكن من المحتمل أن يكون هناك آلاف السنين القادمة والعديد من الأمور العظيمة التي ستحققها البشرية لهذا من المهم جدًا ألا تنقرض البشرية. وأشار إلى أنه في الواقع، كل علوم الأخلاقيات تقريبًا في القرن العشرين كانت على أساس ديني حيث كان ينصب تركيز الناس على النصوص الدينية التي قيلت منذ آلاف السنين ويحاولون إعادة تفسيرها، بدلاً من إعادة التفكير في بعض المبادئ ومحاولة أن تكون أكثر تنقيحًا وتقدمًا. وأشار إلى أنه حتى الستينيات فقط، لم يكن هناك سوى حوالي اثني عشر شخصًا اتبعوا منهجًا علمانيًا في الأخلاقيات في عملهم. حتى الأشخاص الذين حاولوا اتباع نفس المنهج عددهم قليل لدرجة أنه يمكنك أن تعدهم على أصابعك. في الآونة الأخيرة فقط بدأ الناس يفكرون في هذا الأمر بجدية، ويتقدمون للأمام، ويحاولون فهم العالم، ووضع الأمور في نصابها، وما يجب علينا فعله حيال ذلك، وكيف يجب أن نهتم بالمستقبل وببعضنا البعض. يقول إنه متفائل جدًا بشأن مستقبل الأخلاق، وأنا أيضًا متفائل، خاصة فيما يتعلق بالعمل على أرض الواقع في هذا الشأن. إنه عضو في منظمة Giving What We Can وكان مصدر إلهام لي.

العام الماضي

William MacAskill: أشكرك يا توبي. بعد حديثه عن تاريخ الإحسان الفعال، سأتحدث قليلاً عما حققناه خلال العام الماضي، والإمكانات المستقبلية للإحسان الفعال، ثم كيف يرتبط ذلك المؤتمر، اليوم وغدًا. فيما يتعلق بالحاضر، ما الذي حدث خلال العام الماضي؟ من أكبر الأشياء التي حدثت كان حفل الاستقبال. أطلقنا الكتب التي ألفناها أنا وبيتر سينجر قبل مؤتمر الإحسان الفعال العالمي للعام الماضي. ورأينا كيف كانت آراء الناس. لقد كانت إيجابية بروعة. كنت أتوقع أن يرفض الناس هذه الأفكار بشدة وأن تثير الجدل وأن تسبب إزعاجًا لبعض الناس. في الواقع، لقد كان الأمر إيجابيًّا بدرجة ملحوظة. في الواقع، تلقينا تقييمات إيجابية من بعض الأشخاص مثل ريد هوفمان Reed Hoffman، المؤسس المشارك لمنصة لينكدإن LinkedIn، وتيم فيريس Tim Ferris مؤلف كتاب «أسبوع بأربع ساعات عمل - Four-Hour Work Week» ونيك كريستوف Nick Christoff الصحفي في نيويورك تايمز، وألكسندرا وولف Alexandra Wolfe من وول ستريت جورنال، وحتى الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بيل جيتس، سو ديزموند هيلمان Sue Desmond-Hellmann أصبحت أيضًا من الداعمين لهذه الأفكار. كان حفل الاستقبال إيجابيًّا بدرجة ملحوظة، وكان من الرائع أن أشهد ذلك. وكما هو الحال مع جميع الأفكار الجديدة، كانت هناك بعض الانتقادات أيضًا، وكانت بعض الآراء غريبة إلى حد ما. على سبيل المثال، هناك تعليق منشور على موقع Treehugger.com، الذي كما تعلمون يعترض على جزء كبير من أفكار هذا الكتاب الذي كتبه أستاذ علم النفس، ويليام مكاليستر William McAllister، ويتحدث مطولًا عن مدى غباء أفكاره. أنا سعيد حقًّا لأن الكتاب لم يثر إعجابي لأنه يبدو وكأنه مليء بالأخطاء، لكنني سعيد جدًّا لوجود شخص بوسعي إلقاء اللوم عليه على كل خطأ أرتكبه. يمكنني أن أنفي الأخطاء عن نفسي وأدعي أنها كانت أفكار ويليام مكاليستر. وأبرر الأمر بأنه عالِم نفس وأن الآخرين ليس لديهم نفس مقدار معرفته.

حظيت الكتب بحفل استقبال رائع، ولكن من الواضح أن ما يهمنا هو التأثير. لكن فيما يتعلق بذلك، أعتقد أن الأمور تحسنت مرة أخرى. عندما ننظر إلى مجموعات الإحسان الفعال الرئيسة وكيف نمت مقاييس تأثيرها خلال العام الماضي، كانت النتائج مدهشة للغاية، ومن الواضح تمامًا أننا نشهد نموًّا هائلًا.

هذا هو معدل نمو GiveWell [أعطِ جيدًا]. كما ترون، فإن كمية الأموال التي تذهب للجمعيات الخيرية التي يوصون بها تتزايد بمستويات كبيرة، وقد تجاوزت المائة مليون دولار هذا العام. إنه أمر رائع للغاية. وهذا يعني أن 50 ألف أسرة تضاعف دخلها على مر السنين بسبب المنح النقدية المباشرة. وُزِّعت ثمانية ملايين ناموسية من قِبل مؤسسة مكافحة الملاريا، كما وُزِّع 15 مليون قرص مضاد للديدان من قِبل منظمة SEI ومنظمة Deworm the World. وهذا يعادل، بالطبع هذه تقديرات، لا يمكن اتخاذ تقديرات التكلفة والفعالية حرفيًّا، ولكن بأفضل تخمين، فهذا يعني أنه أُنقذت حياة 10,000 شخص على الأقل، وهذا أمر استثنائي حقًا. أحسنتم يا GiveWell.

مرت المنظمات الأخرى بتجربة مشابهة. رأيتم معدل نمو مؤسسة Giving What We Can. أمر واحد يجب الإشارة إليه حول ذلك. عددنا الآن حوالي 2,000 عضو، تُعُهِّد بالتبرع بما يقارب 800 مليون دولار، ولكن لنضع هذا في سياق الثلاث سنوات التي سبقت تأسيس Giving What We Can التي كان توبي يتحدث عنها، وكنت أنا وهو نحاول الحصول على أكبر عدد ممكن من الأعضاء. وقتها كان عددنا 23 عضوًا. ولكن الآن ينضم هذا العدد من الأعضاء إلى Giving What We Can كل أسبوعين. وهذا تغيير مذهل في معدل النمو. ربما يكون موقع 80,000 ساعة هو الأكثر نموًّا. فمعدل النمو يتسارع عموديًّا بثبات. يغير الآن مئات الأشخاص خططهم المهنية كل عام بطريقة يعتقدون أنها ستحقق المزيد من الخير بسبب نصائح موقع 80,000 ساعة. هناك الكثير من المنظمات التي تحقق معدلات نمو مذهلة. مثل منظمة The Life You Can Save التي أسسها بيتر سينجر وتشارلي بريسلر، والتي تشجع الناس على التعهد بالتبرع بنسبة 1% من دخلهم على الأقل للجمعيات الخيرية العالمية لمكافحة الفقر. وجمعت أكثر من 1.5 مليون دولار في عام 2015 ضمن برنامج العطاء الفعال، الذي يشجع لاعبي البوكر على التعهد بالتبرع بنسبة 2٪ من مكاسبهم وجمعت حوالي 600,000 دولار. وقامت مؤسسة Animal charity Evaluators إحدى مؤسسات GiveWell المتخصصة بتقييم الجمعيات الخيرية المعنية بالحيوانات، بنقل ما يزيد عن 800,000 دولار إلى أفضل الجمعيات الخيرية. وحققت ما هو أكثر من ذلك في عام 2016. كما تشجع مؤسسة Founders Pledge الجديدة التابعة للإحسان الفعال رواد الأعمال على التبرع بنسبة 2% من أرباحهم عند تخارجهم. وفي عام واحد فقط، حققوا أكثر من 100 مليون دولار من التعهدات القانونية بالتبرع. حجم الأموال التي نجمعها للتبرع مذهلة حقًّا، مقارنةً بما كانت عليه العام الماضي وبالأعوام الماضية.

هناك تأثير آخر يتمتع به عملنا من خلال وسائل أخرى أيضًا فيما يتعلق بالتوعية. إليكم بعض الأمثلة المتنوعة الأخرى على التأثير. أطلقت مؤسسة Charity Entrepreneurship منظمة جديدة رسميًا منذ يومين فقط تحت اسم Charity Science Health. وأنا متحمس جدًّا لهذا الأمر لأن هذه أول منظمة من منظمات الإحسان الفعال تركز على مشكلة الفقر العالمي مباشرة. ذهب مؤسسو المنظمة، جوي وكيت إلى البلدان النامية لمعرفة ما هي أهم المشكلات التي يمكن تحويلها إلى مؤسسة خيرية فعالة للعمل على حلها. كان أمرًا مثيرًا للإعجاب بشكل لا يصدق. وبالمثل مع Wave، التي حققت نموًّا مذهلاً. وهي منظمة ربحية، أنشأها شخص ما في مجتمع الإحسان الفعال وتوظف العديد من أعضاء المجتمع، وتعمل على جعل رسوم التحويلات المالية أرخص في الولايات المتحدة لإرسال رسوم التحويلات مرة أخرى إلى شرق أفريقيا. وهذا نجاح كبير. حيث تبلغ التدفقات العالمية للتحويلات حوالي 500 مليار دولار كل عام. ومرة أخرى، شهدوا نموًّا مذهلاً. وهم الآن أحد أكبر مصدري التحويلات المالية في الولايات المتحدة إلى شرق أفريقيا. وقد وفروا لمستخدميهم أكثر من مليون دولار. كما أطلقت مؤسسة Impact منظمة The Students For High Impact Charity [جمعية الطلاب للأثر العالي]. وهي منظمة طورت نوعًا من منهج دراسي عن الإحسان الفعال لطلبة المدارس. لقد عقدنا أربعة مؤتمرات عالمية للإحسان الفعال، ومازال هناك سبعة مؤتمرات أخرى في المستقبل، بما في ذلك الأسبوع المقبل فقط، حيث سيكون هناك مؤتمر في مدينة نيروبي، وأنا متحمس جدَّا لهذا المؤتمر. لدينا الآن أكثر من مائة مجموعة محلية في جميع أنحاء العالم.

هناك نمو هائل في مجتمع الإحسان الفعال وخلال العام الماضي، أكثر من أي أمر آخر، انظروا إلى كل البيانات الكمية، الحقائق والأرقام، ولكن الأهم من ذلك، بدأ الإحسان الفعال في الظهور كأمر حقيقي وموجود على أرض الواقع. أتحدث الآن مع الصحفيين ويخبرونني أنهم قرؤوا مقالة جيدة عن «التكسُّب للتبرع - Earning to give»، كما لو كان هذا المفهوم قديمًا. يكتب الناس الآن مقالات أكاديمية، تتناقش وتنتقد الإحسان الفعال كأي حركة فكرية أخرى. يتبرع الناس لمركز الإحسان الفعال، ليس فقط لأنهم منخرطون في العمل معنا، ولكن فقط لأنهم يعتقدون أنه من الجيد التبرع له بنفس الطريقة التي قد يتبرع بها شخص ما لمنظمة Oxfam أو The United Way. يبدو أن هذا هو عام شعبية الإحسان الفعال. حيث بدأت تصبح مفهومًا يعرفه الكثير من الناس.

مستقبل الإحسان الفعال

لقد كان كل ما تحدثنا عنه مثيرًا للغاية. وهذا يثير تساؤلات مثل، ماذا سيحدث في المستقبل؟ دعونا نفكر ونحاول تخيل هذا النمو الهائل، الذي كان يتضاعف كل 18 شهرًا كما تعلمون. بافتراض أنه سيستمر على هذا النحو. كيف سيبدو العالم بعد 10 سنوات، على سبيل المثال؟ إذا استمرت الأمور على منوالها على مدى السنوات العشر القادمة، فإن منظمة Giving What We Can ستحقق تعهدات بالتبرع تبلغ قيمتها مائة مليار دولار، وستصبح أكبر مؤسسة في العالم. ستقوم مؤسسة GiveWell التي هي جزء من Open Philanthropy بنقل أكثر من 10 مليارات دولار سنويًّا إلى المؤسسات الخيرية الأكثر فعالية. وفي جميع أنحاء العالم، سيكون مئات الآلاف من الأفراد جزء من مجتمع الإحسان الفعال. دعونا ننغمس أكثر في التخيل، ماذا لو فكرنا فيما سيحدث بعد 20 عامًا، كيف سيبدو العالم حينها؟ إذا استمرت الأمور بهذا النحو على مدار العشرين عامًا القادمة، ربما يصبح ترتيب أولويات المشكلات مجالًا بحثيًّا رئيسًا، بدلًا من هذا الشيء المتخصص الذي نحن فقط وبعض المنظمات الصغيرة الأخرى من نفكر فيه بجدية. يمكنك أن تتخيل الساسة ورؤساء الوزراء والرؤساء، وهم يدمجون أفكار الإحسان الفعال في البرامج السياسية التي يدعموها. وفي النهاية، يمكنك أن تتخيل فكرة الإحسان الفعال، فكرة استخدام أدلة منطقية لمحاولة تعزيز رفاهية الجميع، لتصبح فكرة منطقية تمامًا كما أصبح المنهج العلمي منطقيًّا اليوم. ربما يكون هناك بعض الأشخاص يناقشون هذا الأمر، ولكنه حاليًّا أمر مستبعد.

ولكم أن تتصوروا استمرار نفس معدل النمو على مدار العقد المقبل، أو العقدين المقبلين. وبالطبع، هذا غير مرجح على الإطلاق. ولكنه سيكون حدثًا ضخمًا وسيغير العالم تمامًا. لكنني أرى أن هذا احتمال واقعي الآن. أرى أنه يمكننا التفكير في إمكانية تحقيق ذلك. ربما على المدى الطويل، إذا واصلنا العمل، وهذا في الواقع أمر نحن قادرون على تحقيقه، ربما يكون جزءًا كبيرًا من القيمة المتوقعة لما نقوم به اليوم، بالإضافة إلى الحصول على هذه الفائدة المباشرة، يأتي من هذه الإمكانية طويلة المدى لتغيير عقلية الناس في جميع أنحاء العالم.

تخصيص أفضل للموارد

ومن المهم أن نفكر، إذا وصلنا إلى هذا النوع من المرحلة، فمن أين ستنبع القيمة؟ إحدى الإجابات على هذا السؤال، هو التخصيص الأفضل للموارد، وذلك في سبيل حل المشكلات التي نفكر فيها اليوم، والتي نعتبرها مشكلات ذات أولوية - الفقر العالمي، والمزارع الصناعية، والمخاطر الكارثية العالمية. إذا تمكنا من إحداث مثل هذا التغيير في العقلية على هذا النطاق الواسع، فستبدأ هذه المشاكل في التلاشي. لنضرب مثالًا على الفقر المدقع: إذا تخيلنا أغنى الأشخاص في العالم حافظوا على ثبات مستوى ثرواتهم على مدار عام، وأنك تأخذ نسبة ضئيلة من فوائد تلك الثروات فحسب، وبذلك لن يتضرروا، وأن توزَّع هذه الأموال على أفقر الأشخاص في العالم، وذلك سيضاعف دخل أفقر مليار شخص في العالم. هذا الأمر لوحده كفيل بالقضاء على الفقر المدقع، وكل ذلك بفضل تغيير عقلية الناس. يتعلق الأمر بالكيفية التي يختار بها الناس إنفاق مواردهم. هذا [المثال] مع المشكلة التي ربما تتطلب القدر الأكبر من إنفاق الموارد، وهي الفقر العالمي.

عندما ننظر إلى الزراعة الصناعية، عندما ننظر إلى المخاطر الوجودية، نستنتج أنها مشكلات بسبب مواقف الأشخاص. لا نحتاج إلى المزارع الصناعية، وليس علينا تحمل مخاطر بمستقبل الجنس البشري على المدى الطويل. إذا كانت لدينا القدرة على تغيير آراء الناس على نطاق كبير، فلدينا حقًّا قدرة مذهلة على جعل العالم مكانًا أفضل. لكنني أرى أن هناك أيضًا فائدة خفية وربما أكبر تستحق التفكير بها، وهي القدرة على إحداث التقدم الأخلاقي. إذا نظرنا إلى تاريخ الأفكار، وتاريخ الجنس البشري، ستجد في كل جيل فظائع أخلاقية ارتُكِبت من قِبل أفراد هذا الجيل والتي بدت في ذلك الوقت طبيعية تمامًا. يوجد دائمًا في كل جيل أشخاص غافلون تمامًا عن حقيقة مدى خطأ بعض ممارساتهم.

على سبيل المثال، أمضى أرسطو حياته بأكملها مكرسًا نفسه للتفكير في طرق عيش حياة أخلاقية، ولم يخطر بباله قط أن الاسترقاق يمكن أن يكون أمرًا خاطئًا. هذه حقيقة مذهلة جدًا. كان أرسطو من أذكى الأشخاص في العالم في ذلك الوقت، وكان يقضي كل وقته في التفكير، لكنه كان غافلًا.

وعندما ننظر إلى تاريخ الإنسانية، والفظائع التي ارتُبكت مثل العبودية، واضطهاد الجنسيات الأخرى، وإذلال المرأة، واضطهاد المثليين، واضطهاد الحيوانات حاليًّا، فإن ما نراه مرارًا وتكرارًا هو مدى سهولة إغفال الناس عن المشاكل الأخلاقية الخطيرة.

التقدم الأخلاقي

من غير المرجح أن نكون اكتشفنا كل المشاكل الأخلاقية اليوم. كما أنه من غير المرجح أن نكون الجيل الذي اكتشف كل شيء. وفي ضوء هذا، ما يجب أن نفكر فيه هو: ما هي المشكلات الأخلاقية الكبرى التي سننظر إليها بعد عدة مئات من السنين ونفكر أننا تصرفنا بوحشية، ما هي القضايا الأخلاقية الرئيسة التي لم نتصورها حتى اليوم؟

سأشير إليها «بالقضية المجهولة - Cause X».

أرى أنه يمكنك الجزم بأن أحد أهم أهداف مجتمع الإحسان الفعال هو اكتشاف القضية المجهولة، اكتشاف أحد أهم المشكلات الأخلاقية في عصرنا، التي لم نتصورها بوضوح بعد. قد تبدو القضية المجهولة مثيرة للسخرية حاليًّا، ولكنها ستبدو واضحة في المستقبل تمامًا مثلما كانت رعاية الحيوان أو المخاطر الوجودية أمور مثيرة للضحك قبل 200 عام. أو ربما تكون القضية المجهولة أمرًا ندركه اليوم، ولكن لأسباب أنانية، لم نكترث بترتيب أولوياتنا.

ربما الطريقة الأكثر إثارة للاهتمام والتي يمكن لمجتمع الإحسان الفعال إحداث أثر كبير على العالم فيها تكون من خلال التقدم الأخلاقي، واكتشاف المشكلات، واكتشاف القضية المجهولة التي لا ندرك ماهيتها حتى.

الإحسان الفعال كمشروع فكري

وهذا يعيدنا لنقاش اليوم. موضوع هذا المؤتمر هو الإحسان الفعال كمشروع فكري. وبالطبع لا يقتصر الإحسان الفعال على هذا فقط. بل هذا هو محور تركيز هذا المؤتمر. وهو المشروع الفكري المتمثل في التساؤل، كيف يمكننا مساعدة الآخرين قدر الإمكان؟ كيف يمكننا أن نفعل الخير الأقصى؟ وبهذا المعنى، فإن الإحسان الفعال، ليس أيديولوجية، وليس مجموعة من الإرشادات أو الحقائق أو الجمعيات الخيرية التي يوصي بها وليس حتى قائمة من القضايا التي يدعمها. إنه منهجية وسعي وراء أسئلة. وهذا يعني أننا بحاجة إلى المحاولة باستمرار وتنشيط أنفسنا، والإجابة على هذا السؤال، ومواصلة التفكير في أفضل الطرق لفعل الخير، وكيف قد نكون مخطئين. يهتم الإحسان الفعال بهذه القضايا الفكرية، ليس لأننا مجموعة من المثقفين غريبي الأطوار ولأننا نحب الألغاز، كما أننا لسنا مجرد مجموعة من الحمقى الذين يحطون من شأن القضايا التي لا تروق لهم، ولكن لأننا نهتم بشدة بمعاناة الآخرين. نرى أن هناك قدرًا هائلاً من المعاناة والظلم في العالم، ونريد أن نكون قادرين على المساعدة. ونعلم أننا لو تصرفنا بغرور وافترضنا أننا نعرف كل شيء لن تكون هذه أفضل طريقة للمساعدة. نحتاج فقط أن نقدر أننا لا نعرف ما هي أفضل طريقة لفعل الخير وعلينا أن نكتشف ذلك. وإذا نظرنا كيف تحسنت حياة الناس على مدار التاريخ سنجد أن ذلك بفضل التقدم الفكري. التقدم الفكري هو ما مكننا من تطوير المنهج العلمي، وتطوير اللقاحات، والقضاء على الجدري الذي أنقذ حياة أكثر من 60 مليون شخص، واقترب من القضاء على شلل الأطفال والحصبة، وجعل البشر أكثر ثراءً بحيث أصبح كل شخص في العالم أغنى بكثير مما كانت عليه البشرية في أغلب الأوقات، تمكنا من تحقيق مثل هذه الإنجازات بفضل التقدم الفكري.

عندما نتطلع إلى المستقبل، ستكون الأمور تغيرت بقدر كبير مجددًا. بمعنى أنه يتوجب علينا إبقاء شعلة الفضول الفكري مشتعلة باستمرار نظرًا لاختلاف الظروف والفرص خلال خمس أو عشر سنوات عما هي عليه الآن. وعندما نتحدث عن حاضرنا، هناك أسئلة مهمة للغاية والتي نحتاج إلى إجابتها والتي قد تكون لها إمكانات هائلة. هل يمكننا استخدام كريسبر للقضاء على الملاريا؟ هل يمكننا تطوير بدائل اللحوم التي تغني عن تناول اللحوم والتخلص من المزارع الصناعية تمامًا. هل يمكننا تطوير أساليب تنبؤ أفضل حتى نتمكن من التنبؤ بالأحداث الجيوسياسية؟ هذه نوعية التقدم الفكري والتكنولوجي المتطور اليوم والذي يتضمن إمكانات هائلة لتحسين العالم إذا ما طُبق بطريقة صحيحة.

ولهذا السبب يركز هذا المؤتمر على الإحسان الفعال كمشروع فكري. ولهذا السبب أقترح أن أهم نقطة تخرج بها اليوم هي أن تفكر وتتساءل: ما هي القضية الأكبر والأكثر أهمية التي قد لا تزال متشككًا بشأنها أو قد تكون مخطئًا فيها؟ وفي هذه الحالة، ماذا يمكنك أن تفعل؟ من الذي يمكنك التحدث إليه؟ ما هي النقاشات التي يمكنك حضورها ومن المحتمل أن تغير رأيك بشأن هذه القضية؟ وإذا رأيت أشخاصًا يغيرون رأيهم ويقولون «اووه! لقد أخذت هذا الاعتبار الحاسم وأدركت أن الأمور تختلف جذريًا فيما يتعلق بكيفية تقييم خياراتي عما كانت عليه من قبل» فبارِك هذا التغيير. لأن هذا هو الأمر الأكثر أهمية. إنها القدرة على تغيير أفكارنا بناءً على الأدلة وقبول أن تكون المعتقدات التي اكتشفناها ونعتز بها والقضايا التي كنا نتأثر بها نفسيًا قد لا تكون مثالية، وربما هناك طرق أفضل للقيام بذلك. ولكن من خلال التعلم المستمر، والقدرة المستمرة على توليد الأفكار الجديدة، والحجج الجديدة، والأدلة الجديدة من خلال التعلم المستمر والاستعداد لتغيير أفكارنا - هذه هي الطريقة الوحيدة التي ستمكننا من تحقيق أقصى قدر من الخير. شكرًا لكم.


هذا العمل مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي 4.0 الدولية.


المنشور الأصلي: Toby Ord و William MacAskill (2016) Moral progress and «cause X», EAGlobal, 5 أغسطس.

ترجمة: إيمان وجيه.