الصحة العالمية

بقلم Esteban Ortiz-Ospina و⁠Max Roser
الصحة العالمية والرفاهية

الصحة عامل أساسٌ للتمتع بجودة حياة جيدة، إذ يؤثر خلوُّنا من الأمراض والإصابات مباشرة على قدرتنا على الاستمتاع بالحياة.

في هذه الصفحة التعريفية بموضوع الصحة العالمية، نقدم نظرة عامة على الأدلة التجريبية المتاحة حول مخرجات الصحة المجمَّعة، وسنركز على بيانات طويلة المدى تشمل عدَّة بلدان من جداول الوفيات ومعدلات الاعتلال؛ ثم نقدم تحليلًا للأدلة المتاحة حول محدِّدات الصحة، وسنركز بالتحديد على عوائد الاستثمارات الكلية في القطاع الصحي.

متوسط العمر المُتوقَّع هو أكثر المقاييس المستخدمة شيوعًا في وصف صحة السكان. تُظهِر البيانات التاريخية أن متوسط العمر المتوقع العالمي قد ارتفع كثيرًا على مدى القرنين الماضيين، مع تحسنات كبيرة وطويلة المدى في كل البلدان حول العالم. وفي الواقع فإن المكاسب الأخيرة في متوسط العمر المتوقع في البلدان النامية كانت ذات أهمية خاصة. ومع ذلك، وعلى الرغم من التقدم المُحرَز مؤخرًا نحو التقارب بين البلدان على المدى الطويل، فلا تزال هناك اختلافات هائلة يتعين معالجتها: ففي عدة بلدان في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى لا يزال متوسط العمر المتوقع أقل من 60 عامًا، بالمقارنة بأكثر من 80 عامًا في البلدان الأوروبية أو اليابان.

كان الانخفاض التاريخي في وفيات الأطفال والأمهات عاملًا حاسمًا في تحسين متوسط العمر المتوقع حول العالم. ولكن بالنسبة لمقياسَيْ الصحة هذيْن، نلاحظ كذلك وجود لامساواةات كبيرة متبقية: إذ لا تزال معدلات وفيات الأطفال، في المتوسط، أعلى بعشرة أضعاف في البلدان ذات الدخل المنخفض منها في البلدان ذات الدخل المرتفع. سنوضح وجود فجوات كبيرة مماثلة في المقاييس الصحية الأخرى، بما في ذلك التقديرات الحديثة لعبء المرض.

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث التجريبية إلى أن النتائج الصحية، على المستوى الكلي، تستجيب لاستثمارات الرعاية الصحية بدرجة كبيرة. علاوة على ذلك، وكما هو مُتَوقَّع، فإن الأدلة تشير إلى أن للإنفاق على الرعاية الصحية عوائد صحية كبيرة عند مستويات منخفضة من الإنفاق المبدئي. يعني هذا أن الموارد الدولية الموجَّهة من خلال المساعدة التنموية من أجل الصحة، عندما تُوَجَّه وتُدار على نحوٍ مناسب، تنطوي على إمكانية للحد من اللامساواة في مستويات المعيشة في العالم جذريًّا.

كل الرسوم التوضيحية والبيانات التي نناقشها هنا نناقشها أيضًا بمزيد من التفصيل في صفحاتنا حول موضوعات الصحة الأكثر تحديدًا.

  • متوسط العمر المتوقع

  • وفيات الأطفال والرضع

    • لا تزال وفيات الأطفال واحدة من أكبر المشاكل في العالم وهي تذكير مؤلم بالعمل الذي لم نقم به بعد. من خلال البيانات العالمية حول مكان وزمان وكيفية حدوث وفيات الأطفال، يمكننا تعجيل جهود الوقاية منها.
  • الإنفاق على الرعاية الصحية

    • الرعاية الصحية هي المفتاح لإحراز التقدم ضد اعتلال الصحة. فكيف يتم تمويلها؟

المخرجات الصحية

متوسط العمر المتوقع

إن فحص بيانات الوفيات هو إحدى الطرق المتَّبعة لتقييم الصحة لدى السكان. ومتوسط العمر المتوقع هو المقياس الأكثر استخدامًا لجمع بيانات الوفيات من أجل وصف صحة السكان. وهو يقيس متوسط عدد السنوات المتوقعة لعمر الإنسان بناءً على العمر الحالي ومعدلات الوفيات بحسب الجنس.

يمكن العثور على مزيد من المعلومات المتعمقة حول متوسط العمر المتوقع، بما في ذلك التعريفات ومصادر البيانات والاتجاهات التاريخية وأكثر من ذلك بكثير، في صفحتنا المخصصة لموضوع متوسط العمر المتوقع.

كيف تغير متوسط العمر المتوقع عبر البلدان على المدى الطويل؟

يلخص الرسم التوضيحي البيانات المتاحة حول متوسط العمر المتوقع على مدى القرون القليلة الماضية. تظهر التقديرات من المملكة المتحدة، وهي البلد الذي لدينا فيه أطول تسلسل زمني، أن متوسط العمر المتوقع قبل عام 1800 كان منخفضًا للغاية، ولكنه ارتفع بدرجة كبيرة منذ ذلك الحين. يمكننا أن نرى أنه في أقل من 200 عام، ضاعفت المملكة المتحدة متوسط العمر المتوقع عند الولادة. وتظهر البيانات حدوث تحسنات ملحوظة مماثلة أيضًا في دول أوروبية أخرى خلال نفس الفترة.

يُظهِر الرسم البياني أيضًا تحولاتٍ تاريخيةٍ كبيرة في متوسط العمر المتوقع لبلدانٍ أخرى. ستلاحظ على سبيل المثال أن متوسط العمر المتوقع في الهند وكوريا الجنوبية قبل قرنين كان منخفضًا جدًّا ويقدر بمدة 23 عامًا، أمَّا بعد مرور قرنٍ من الزمان فقد تضاعف متوسط العمر المتوقع في الهند ثلاث مرات تقريبًا، وفي كوريا الجنوبية حوالي أربع مرات.

يمكنك الانتقال إلى عرض الخريطة في هذا الرسم التوضيحي من خلال النقر على علامة الخريطة، لتقارن متوسط العمر المتوقع بين البلدان. تظهر الخريطة أن الفروقات الكبيرة بين البلدان ما زالت موجودة على الرغم من التقارب طويل الأمد بينها: فمثلًا يقل متوسط العمر المتوقع لسكان بعض البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء الكبرى عن 50 عامًا، بالمقارنة بمدة 80 عامًا في بلدان مثل اليابان.

إلى حدٍ كبير، حدثت تلك الزيادة في متوسط العمر المتوقع بسبب تغير أنماط الوفيات في السن المبكرة، ولكن هذا لم يكن السبب الوحيد: فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع للناس في جميع الأعمار.

متوسط العمر المتوقع: متوسط العمر المتوقع للفترة عند الولادة، في عامٍ محدد⁠a

هل شهدت جميع بلدان العالم زيادة في متوسط العمر المتوقع؟

يبين الرسم التوضيحي التالي الحصة التراكمية من سكان العالم (المحور الأفقي) في مقابل متوسط العمر المتوقع الموافِق (المحور الرأسي) في نقاط زمنية مختلفة (الخطوط الملوَّنة). يمكنك أن تعتبره مخطَّطًا بيانيًّا شريطيًّا لمتوسط العمر المتوقع بحسب البلد، ولكن رُتِّبت البلدان بحسب متوسط العمر المتوقع، ويتناسب عرض كل شريط مع حصة كل بلد من سكان العالم.

بالنسبة لعام 1800 (الخط الأحمر)، نرى أن في البلدان على اليسار، بما فيها الهند وكوريا الجنوبية، يبلغ متوسط العمر المتوقع حوالي 25 عامًا. وعلى أقصى اليمين، نرى أنه في عام 1800 لم يكن متوسط العمر المتوقع يزيد في أي بلد عن 40 عامًا (كانت بلجيكا صاحبة أعلى متوسط عمر متوقع وكان 40 عامًا فقط).

في عام 1950 كان متوسط العمر المتوقع في جميع البلدان أعلى مما كان عليه في عام 1800، ولكن يمكننا أن نلاحظ أن اللامساواة قد نمت بدرجة كبيرة. تحقق هذا نتيجة حصول تحسنات هائلة في المُخرَجات الصحية في بعض البلدان (بالأساس في البلدان الثرية في أوروبا وأمريكا الشمالية)، بينما لم تحرز بلدان أخرى (لا سيما الهند والصين) إلا تقدمًا ضئيلًا لا أكثر.

في عام 2012 (الخط الأخضر)، نرى مجدَّدًا تحسنًا في متوسط العمر المتوقع عبر جميع البلدان؛ ولكن ما يثير الاهتمام هو أن التحسنات التي طرأت في هذه الحقبة الأخيرة تدل على انخفاض في اللامساواة. حدث هذا نتاجًا لتحسنات بالغة طرأت مؤخَّرًا على متوسط العمر المتوقع في البلدان النامية.

نستنتج أن العالم قد تطور من حالة صحية متساوية السوء عام 1800، إلى لامساواة عظيمة عام 1950، ثم عاد اليوم إلى مزيدٍ من المساواة - ولكنها مساواة على مستوى أعلى بكثير.

متوسط العمر المتوقع لسكان العالم في 1800 و 1950 و 2012

على المدى الطويل، انخفضت اللامساواة في متوسط العمر المتوقع داخل البلدان بدرجة كبيرة

يمكن قياس اللامساواة في سنوات الحياة بين الناس داخل نفس البلد بنفس الطريقة التي نقيس بها اللامساواة في توزيع الدخل على سبيل المثال. وتتمثل الفكرة في تقدير مدى تركز «رصيد كبير من الصحة» في أيدي فئة صغيرة من سكان البلد، جاعلًا إياهم يعيشون لفترة أطول بكثير من معظم سكان نفس البلد.

يعرض الرسم التوضيحي التالي تقديرات اللامساواة في العمر مقاسةً بمُعامل «جيني» Gini Coefficient⁠b. معامل جيني المرتفع يعني هنا توزيعًا غير متكافئ للغاية لسنوات الحياة، أي لامساواة كبيرة داخل البلد الواحد لعدد السنوات التي يعيشها الناس. هذه التقديرات مأخوذة من Peltzman (2009)⁠1، حيث يمكنك العثور على المزيد من التفاصيل عن المصادر التي يستند إليها التقدير ومنهجيته.

كما يتضح من الرسم البياني، انخفضت اللامساواة في النتائج الصحية انخفاضًا هائلًا داخل العديد من البلدان.

اللامساواة في العمر: معامل جيني عند الإناث، 2021⁠c

وفيات الأطفال

في القسم السابق درسنا متوسط العمر المتوقع عند الولادة كمعيار هام للصحة الإجمالية للسكان. يقدم هذا المقياس لمحة عامة عن النتائج الصحية للفرد العادي في بلد ما. في هذا القسم نركز على النتائج الصحية للأطفال على وجه التحديد.

إن تحليل معدل الوفيات في الأطفال يوفر معلومات هامة عن الصحة الإجمالية في البلد؛ يعود هذا إلى أن السنوات الأولى من عمر الإنسان ترتبط بتحديات صحية هامة. بناءً على ذلك، فإن متوسط الحياة المتوقع للإنسان يزيد على نحو كبير إذا ما تجاوز السنوات الأولى من حياته وهو على قيد الحياة. وكما سنبين، فإن قدرًا كبيرًا من الزيادة في متوسط العمر المتوقع يُعزى تحديدًا إلى الانخفاض الكبير في وفيات الأطفال.

يقاس معدل وفيات الأطفال عادةً باحتمالية وفاة المولود قبل بلوغه سن الخامسة لكل 1,000 ولادة حية Live Birth، وذلك بحسب أنماط الوفيات الحالية الخاصة بالفئات العمرية.

اقرأ بتعمق أكبر عن معدل وفيات الأطفال، شاملًا التعريفات، ومصادر البيانات، والاتجاهات التاريخية، والمزيد، في صفحتنا التعريفية المخصصة لموضوع وفيات الأطفال.

كيف تَغيَّر معدل وفيات الأطفال عبر البلدان على المدى الطويل؟

في الرسم التفاعلي التالي نلاحظ أن معدل وفاة الأطفال قد تغير على المدى الطويل. وكما نرى، فإن معدلات وفيات الأطفال اليوم في البلدان الصناعية أقل من 5 لكل 1,000 ولادة حية (ولكن معدل الوفاة المنخفض هذا يعتبر تطورًا حديثًا جدًّا)؛ إذ أن معدل وفاة الأطفال في بلدان ما قبل الحداثة كان يتراوح بين 300 إلى 500 حالة وفاة لكل 1,000 ولادة حية. إن صحة الأطفال في البلدان النامية تتحسن بسرعة (ولكن وفيات الأطفال فيها لا تزال أعلى بكثير منها في البلدان المتقدمة).

الخاصية المثيرة الثانية للاتجاهات المُصوَّرة في هذا الرسم البياني هي أن هناك العديد من «الارتفاعات» الحادة في القرن التاسع عشر. يرجع ذلك جزئيًّا إلى أن جودة البيانات تتحسن بمرور الوقت، ولكن أيضًا لأن الأزمات الصحية كانت أكثر تكرارًا في عصور ما قبل الحداثة. لذا فإن تَراجُع معدل الكوارث هو جانب مهم من تحسين «مستويات المعيشة». في صفحتنا التعريفية حول موضوع تقَلُّب أسعار الغذاء، تجد أدلة تجريبية على درجة تكرار أزمات الغذاء. في الرسم التالي سترى ما عَنَتْه تلك الأزمات وغيرها (كالجائحات والحروب) لصحة السكان.

يمكنك في هذا الرسم التصوُّري الانتقال إلى عرض الخريطة من خلال النقر على علامة الخريطة؛ لكي تقارن تقديرات معدلات وفيات الأطفال عبر البلدان والأزمنة المختلفة. ستؤكد الخريطة مُجدَّدًا ما ذكرناه بالفعل من أن كل البلدان تمكنت من تقليص معدل وفاة الأطفال على المدى الطويل، ولكن الفروق بين البلدان المتقدمة والنامية لا تزال كبيرة.

معدل وفاة الأطفال، 1884: نسبة وفيات حديثي الولادة المُقدَّرة قبل وصولهم إلى عمر الخامسة

هل بدأت البلدان النامية في مواكبة البلدان المتقدمة من حيث معدلات وفيات الأطفال المنخفضة؟

إن حقيقة تحقيق البلدان النامية لتحسنات سريعة في تقليص وفيات الأطفال في السنوات الخمسين الماضية، تعني أن الفجوات بين البلدان بدأت تتضاءل.

يبين الرسم التصوري التالي تقديرات معدلات وفيات الأطفال حسب مستوى الدخل في البلدان. يمكننا رؤية اتجاه تنازليّ واضح عبر كل المجموعات. وبما أن البلدان مرتفعة الدخل كانت الأبطأ في التقدم (نظرًا لمخرجات الصحة المرتفعة عندهم بالفعل) يمكننا رؤية أن الفجوة بينها وبين بقية العالم صارت في تضاؤل. وفي الواقع، أوشكت البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى على اللحاق بالبلدان مرتفعة الدخل.

ومع ذلك، تُظهِر الأرقام الأخيرة تحديات هامة متبقية: فمعدلات وفيات الأطفال في البلدان منخفضة الدخل لازالت في المتوسط مرتفعة بأكثر من عشرة أضعافها في البلدان مرتفعة الدخل. فالفجوة المتبقية لا زالت كبيرة.

وفيات الأطفال من حيث مستوى الدخل في البلد: نسبة وفيات حديثي الولادة المُقدَّرة قبل وصولهم إلى عمر الخامسة

الأمراض المعدية الخمسة الأكثر فتكًا عبر الزمن

يركز الرسم البياني على الأمراض المعدية الخمسة الأكثر فتكًا. ويُظهِر عدد وفيات الأطفال التي تسببت فيها تلك الأمراض بدءًا من 1990 فصاعدًا.

كانت الوفيات الناجمة عن الملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية (HIV)/الإيدز (AIDS) في تزايد خلال تسعينيات القرن الماضي. منذ 2005 وصاعدًا بدأت الوفيات الناجمة عن كلٍّ من هذه الأمراض في التناقص.

وفيات الأطفال الناجمة عن الأمراض الخمسة الأكثر فتكًا، العالم: تقدير الوفيات السنوية الناجمة عن الأمراض المعدية الخمسة الأهم عند الأطفال تحت الخامسة من العمر

أهم الأمراض والمشار إليه باسم «عدوى الجهاز التنفسي السفلي» في الرسم التصوري هو الالتهاب الرئوي.

وفيات الأمهات

وعلى غرار وفيات الأطفال، توفر وفيات الأمهات معلومات مهمة عن مستوى الصحة في البلد.

وعادةً ما تُعرَّف وفيات الأمهات بأنها عدد النساء اللواتي يمُتْن لأسباب متصلة بالحمل، إما أثناء الحمل، أو في غضون 42 يوم من انتهائه (يُعَبَّر عنها عادةً كنسبة لكل 100,000 ولادة حية).

اقرأ بتعمق أكبر عن وفيات الأمهات، شاملة التعريفات، ومصادر البيانات، والاتجاهات التاريخية، والمزيد، في صفحتنا التعريفية المخصصة لموضوع وفيات الأمهات.

انخفاض معدل وفيات الأمهات على المدى الطويل

يُبرِز الرسم البياني السابق التحسنات طويلة المدى الجذرية التي حققتها البلدان لأجل تخفيض معدل وفيات الأطفال. ولكن، هل تجلَّت مثل تلك التحسنات مع الأمهات أيضًا؟

يظهر الرسم البياني تقديرات طويلة الأجل لوفيات الأمهات بالنسبة إلى مجموعة مختارة من البلدان معظمها من ذوات الدخل المرتفع. سنرى أنه قبل مائة سنة، من أصل 100,000 ولادة طفل، انتهت ما يتراوح من 500 إلى 1,000 منها بموت الأم. هذا يعني أن كل 100 إلى 200 ولادة أدت إلى موت أم. ولأن النساء كن يلدن بمعدل أعلى بكثير حينها عن الآن، فإن موت الأم كان مأساة شائعة. واليوم، فإن هذه البلدان لديها معدل وفيات أمهات يقترب من 10 لكل 100,000 ولادة حية.

إن انخفاض معدل وفيات الأمهات إلى ما يقرب 10 لكل 100,000 ولادة يمكن إرجاعه إلى فهمنا العلمي المعاصر للأسباب التي تؤدي إلى وفاة الأمهات. في الواقع، كان السبب الشائع لوفاة الأمهات هو حمى النفاس (أو حمى ما بعد الولادة)، والتي كانت تنتج عن ظروف غير نظيفة تؤدي إلى التهابات في الأجهزة التناسلية للأمهات أثناء الولادة. أول من لاحظ الرابط بين النظافة ونجاة الأم كان الطبيب إجناتس زيميلفيز Ignaz Semmelweis في منتصف القرن التاسع عشر، ولكن الممارسات السليمة لم تُطبَّق على نطاق واسع إلى أن ظهرت النظرية الجرثومية للمرض.

يُظهِر نفس الرسم البياني أن بلدانًا مختلفة قد أحرزت تقدما في قضية وفيات الأمهات في فترات زمنية مختلفة. على سبيل المثال، فقد بدأ انخفاض وفيات الأمهات في فنلندا في منتصف القرن التاسع عشر ولكنها لم تصل إلى المستوى المنخفض الحالي إلا بعد ما يزيد عن قرن. وفي المقابل فقد حققت ماليزيا ذلك التقدم في عدة عقود فقط.

معدل وفيات الأمهات، منذ 1751 إلى 2020⁠d

كيف تبدو المقارنة بين بلدان العالم من حيث وفيات الأمهات في الوقت الحالي؟

تشير البيانات الحديثة عن وفيات الأمهات إلى تحسنات حول العالم. يعرض الرسم التفاعلي التالي خريطة للعالم من حيث معدلات وفيات الأمهات في الفترة من 1990 إلى 2013. يمكنك التغيير إلى عرض الرسم البياني للتعرف على الاتجاهات الخاصة بكل بلد.

والاستنتاج هنا، هو نفس ما ذكرناه سابقًا، عن وجود تحديات هائلة تنتظرنا، رغم التطورات التي انتشرت مؤخرًا في العالم النامي؛ فمثلًا في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تموت أكثر من 500 أم لكل 100,000 ولادة حية. يزيد هذا المعدل بأكثر من 60 ضعف عن بلدان الاتحاد الأوروبي.

معدل وفيات الأمهات، 2020⁠e

عبء المرض

السياق

ناقشنا في الأقسام السابقة مخرجات الصحة، كما تُقاس من خلال بيانات الوفيات فحسب. وهذا لا يأخذ في الاعتبار الاعتلال الناجم عن المرض والعجز.

إن عبء المرض يشكل مقياسًا يرتبط بمخرجات الصحة، لكنه يختلف عنها؛ حيث أنه يحتسب كلًّا من الوفيات والاعتلالات المرَضيَّة.

إن أكثر طرق قياس عبئ المرض شيوعًا هي تقدير عدد السنوات «المفقودة» بسبب الصحة المتدهورة، ويُطلق عليه فقدان «سنوات العمر المُصحَّحة باحتساب العجز»، أو اختصارًا DALYs⁠f.

يُحسَب هذا المتغير على أنه مجموع سنوات الحياة المحتملة المفقودة بسبب الوفيات المبكرة، وسنوات الحياة الصحية المفقودة بسبب المرض والعجز. على هذا النحو، فإن مقياس «سنوات العمر المصححة باحتساب العجز» للبلد يُوسِّع من مفهوم متوسط العمر المتوقع؛ بمعنى أنه يتضمن كلًا من انتشار الأمراض المختلفة أو عوامل الخطر، وضررها النسبي. يمكن التفكير في «سنة واحدة مصححة باحتساب العجز» مفقودة كسنةٍ واحدة مفقودة من الحياة «الصحية». يمكنك قراءة المزيد عن التعريف والحسابات لسنوات الحياة المصححة باحتساب العجز (DALYs) في التقرير التقني «منهجية منظمة الصحة العالمية ومصادر بياناتها لتقدير عبء المرض العالمي».

اقرأ بتعمق أكبر عن عبء المرض في صفحتنا التعريفية المخصصة لموضوع عبء المرض.

التوزيع العالمي لعبء المرض

تظهر هذه الخريطة «سنوات العمر المصححة باحتساب العجز» لكل 100,000 فرد من السكان. وبالتالي فهي تقيس توزيع عبء كل من الوفيات والاعتلال حول العالم.

نرى أن المعدلات في المناطق ذات أفضل مستويات الصحة تقل عن 20,000 DALY لكل 100,000 فرد. في 2017 حُقِّق ذلك في الدول الأوروبية، ولكن أيضًا في كندا، وإسرائيل، وكوريا الجنوبية، وتايوان، واليابان، والكويت، والمالديف، وأستراليا.

في المناطق الأسوأ حالًا، لاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يكون المعدل أعلى من 80,000 DALY لكل 100,000.

عبء المرض، 2021⁠g

الأمراض المعدية

تشير بيانات مشروع عبء المرض العالمي التي نوقشت أعلاه، إلى استمرار وجود تحديات هامة فيما يتعلق بأمراض معينة، أهمها فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، والملاريا. نناقش هنا الاتجاهات التي توضح كيفية تطور مكافحة هذه الأمراض.

الطريقة الأكثر انتشارًا لقياس تطور الأمراض هي تقدير تعداد الوفيات الناجمة عن الأمراض ومعدلها، وأيضًا عدد المصابين الجدد بها.

اقرأ بتعمق أكبر في أطروحاتنا عن فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، والملاريا.

فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز

  • وباء عالمي والسبب الرئيس للوفاة في بعض البلدان

الملاريا

  • يعد هذا المرض الفتاك الذي ينتقل عن طريق البعوض أحد الأسباب الرئيسة لوفاة الأطفال. كيف قضينا على المرض في بعض المناطق من العالم وكيف يمكننا مواصلة التقدم في مكافحة الملاريا؟

ما الذي يفسر التغيرات والاختلافات في المخرجات الصحية؟

«إنتاج» المخرجات الصحية

غالبًا ما يفكر الاقتصاديون في الصحة على أنها متغير «المخزون» المتصل بغياب المرض أو الإصابة. وعلى هذا النحو، فغالبًا ما يُنظَر إلى الصحة على أنها خاصية فردية تبدأ من ظروف موروثة (الجينات على سبيل المثال) وتتطور بمرور الوقت كدالة لمدخَلات أخرى؛ مثل الظروف البيئية والرعاية الطبية⁠2. بصفة عامة، تندرج مدخلات «إنتاج الصحة» تحت الفئات العامة التالية:

  • طبيعة الجسد البيولوجية والجينات (مثل الأمراض المُتوارَثة)
  • السياسة العامة والتنظيم (مثل حملات التطعيم)
  • الرعاية الصحية (مثل علاج وتشخيص المرض في الوقت المناسب)
  • العادات (مثل التدخين)
  • العوامل الاجتماعية والبيئية (مثل التعرض للجريمة والتلوث)

العوائد الصحية لاستثمارات الرعاية الصحية

يمكن العثور على المزيد من المعلومات حول توفير الرعاية الصحية في صفحتنا التعريفية حول موضوع تمويل الرعاية الصحية.

ما مدى قوة الصلة بين الإنفاق على الرعاية الصحية ومتوسط العمر المتوقع؟

أحد أهم المدخلات الصحية هو الرعاية الصحية. سندرس هنا الأدلة العابرة للبلدان على الصلة بين إجمالي استهلاك الرعاية الصحية وإنتاجها، والمخرجات الصحية.

تتمثل إحدى الطرق الشائعة لقياس استهلاك الرعاية الصحية الوطنية وإنتاجها في تقدير إجمالي الإنفاق على الرعاية الصحية (عادة ما يُعبَّر عنها كحصة من الدخل القومي).

يوضح الرسم العلاقة بين متوسط العمر المتوقع عند الولادة والإنفاق على الرعاية الصحية لكل نسَمة.

يوضح الرسم البياني مستوى كلا القياسيْن في نقطتين زمنيتين، بفارق جيلٍ تقريبًا (1995 و2014 على التوالي). تربط السهام بين هاتين الملاحظتين، مما يُظهِر التغير بمرور الوقت في كلا القياسين لجميع بلدان العالم. كما تلاحظ، تميل البلدان التي لديها إنفاق أعلى على الرعاية الصحية لكل شخص إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع. وبالنظر إلى التغير بمرور الوقت، نرى أنه مع زيادة إنفاق البلدان على الصحة، يزداد متوسط العمر المتوقع للسكان.

لاحظ أن العلاقة في هذا الرسم البياني تبدو أنها تتبع نمطًا من «العوائد المتناقصة»: الزيادة في متوسط العمر المتوقع، المرتبطة بالزيادة في الإنفاق على الرعاية الصحية، تتناقص بزيادة الإنفاق. هذا يعني أن أعلى المكاسب النسبية تتحقق في البلدان الفقيرة ذات مستويات الإنفاق المبدئية المنخفضة. وهذا النمط مشابه لذاك الحاصل بين متوسط العمر المتوقع والدخل لكل نسمة.

وُضعت رموز ملوَّنة للبلدان بحسب مناطق العالم، وفقًا لوسائل الإيضاح المُدرَجة. حققت العديد من البلدان باللون الأخضر (أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى) تقدمًا ملحوظًا على مدى العقدين الماضيين: إذ زاد الإنفاق زيادةً كبيرة وزاد متوسط الحياة المتوقع في العديد من البلدان الأفريقية بأكثر من 10 سنوات. إن الحالة الأكثر حِدًّة هي رواندا، إذ ارتفع متوسط العمر المتوقع من 32 إلى 64 عامًا منذ عام 1995 (أي بعد الإبادة الجماعية في رواندا بعام واحد). يُظهر الرسم البياني أيضًا أن البلدان الأفريقية التي عانت أكثر من غيرها تحت وطأة وباء فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز (ليسوتو وإسواتيني وجنوب أفريقيا) قد شهدت انخفاضًا في متوسط العمر المتوقع لم تتعافَ منه حتى الآن.

لقد أبرزنا البلدان الأكثر اكتظاظًا بالسكان في العالم (الهند والصين) باستخدام سهام أكبر. ومن المثير للاهتمام أن نرى الصين قد حققت مخرجات صحية جيدة نسبيًّا في 1995 بمستويات منخفضة نسبيًّا من الإنفاق على الصحة.

عمومًا ينطبق الارتباط بين زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية وارتفاع متوسط العمر المتوقع على كل البلدان الغنية في كل من أوروبا، وآسيا، وأمريكا الشمالية، وتجدها كلها في في أعلى يمين الرسم البياني، أما الولايات المتحدة فهي استثناء لهذه القاعدة إذ لا تحقق إلا متوسط عمر متوقع قصير نسبيًّا بالنظر إلى حقيقة أنها الأعلى إنفاقًا على الرعاية الصحية مقارنةً بأي بلد آخر في العالم حتى الآن.

متوسط العمر المتوقع مقابل قدر الإنفاق على الرعاية الصحية، 2000⁠h

ما مدى قوة الصلة بين الإنفاق على الرعاية الصحية ووفيات الأطفال؟

يعرض الرسم التالي العلاقة بين وفيات الأطفال والإنفاق على الرعاية الصحية لكل نسمة. تتوفر البيانات العالمية عن الإنفاق الصحي لكل نسمة ابتداءً من عام 1995، وسنوضح في الرسم البياني مستوى كلًّا من المقياسين للعامين الأول والأخير الذيْن توفرت بياناتهما. تربط الأسهم بين هذين الرصدين، موضِّحةً بذلك التغير بمرور الوقت بالنسبة لجميع البلدان في العالم. يمكننا أن نرى أن وفيات الأطفال آخذة في الانخفاض مع إنفاق المزيد من الأموال على الصحة.

مع التركيز على التغيرات بمرور الوقت، يمكننا أن نرى حقيقة لافتة للنظر بوجه خاص: في حين أن هناك لامساواةً كبيرة في المستويات -معدل وفيات الأطفال في البلدان الأفضل أداءً أقل بنحو 100 مرة مما هو عليه في الأسوأ- عدم المساواة في الاتجاهات مستقرة بطريقة مدهشة. على وجه التحديد، إذا نظرت إلى المسارات بمرور الوقت، فمن المدهش مدى ضآلة عدم التجانس بين دول مختلفة جدًّا في العالم. بغض النظر عما إذا كانت دولة غنية في أوروبا أو دولة أفقر بكثير في أفريقيا، فإن الانخفاض النسبي في وفيات الأطفال المرتبط بزيادةٍ نسبية في الإنفاق الصحي متشابه تشابهًا ملحوظًا.

يُظهر الرسم أيضًا اللامساواة العالمية المرتفعة جدًّا في الإنفاق الصحي لكل نسمة الذي لا يزال سائدًا حتى اليوم. في جمهورية أفريقيا الوسطى، يُنفَق 25 دولار دوليًّا فقط للفرد، بينما في الطرف الآخر من المجموعة، في الولايات المتحدة، تُنفق 9,403 دولارات دولية. وتبلغ النسبة [Ratio] بين البلدين 376. وفي المتوسط، ينفِق الأمريكيون على الصحة يوميًّا أكثر مما ينفقه شخص في جمهورية أفريقيا الوسطى في عام كامل. هذه فجوة كبيرة للغاية، بالنظر إلى أن الدولار الدولي يُعدَّل بحسب فروق الأسعار بين البلدان - لو لم تُتَّخذ اختلافات الأسعار في الاعتبار، وكان التعبير عن الإنفاق بالدولار الأمريكي، بمجرد استخدام سعر الصرف بين العملات المختلفة، سيكون الفرق أكبر حتى.

يمكنك أيضًا معرفة المزيد عن هذه العلاقة بين الإنفاق على الرعاية الصحية ووفيات الأطفال في هذا الرسم التصوري التفاعلي.

يقل عدد وفيات الأطفال بارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية، منذ 2000 إلى 2022⁠i

ما مدى قوة الصلة بين إنفاق الرعاية الصحية والدخل القومي؟

على الصعيد العابر للبلدان، فإن أقوى مؤشر على الإنفاق على الرعاية الصحية هو الدخل القومي (يمكنك العثور على المزيد حول مقاييس الدخل القومي في صفحتنا التعريفية حول موضوع بيانات الناتج المحلي الإجمالي). يقدم الرسم البياني التالي دليلًا على هذه العلاقة. الارتباط مذهِل: من المرجَّح أن تنفق البلدان ذات الدخل الفردي المرتفع حصة أكبر من دخلها على الرعاية الصحية. في ورقة بحثية هامة، أظهر نيوهاوس Newhouse 1977⁠j أن إجمالي الدخل يفسر تقريبًا كل التباين في معدل نفقات الرعاية الصحية (على وجه الخصوص Newhouse 1977 أظهرت أن الناتج المحلي الإجمالي لكل نسمة، في مجموعة من 13 دولة متقدمة، يفسر 92 بالمائة من التباين في الإنفاق على الرعاية الصحية لكل نسمة) أكدت دراسات أخرى أن هذه العلاقة الإيجابية القوية تظل قائمة بعد احتساب العوامل الإضافية، كالسمات الديموغرافية لكل بلد⁠3.

على الرغم من أنه بالمعنى الدقيق للكلمة لا يمكن تفسير هذه النتيجة سببيًّا -نظرًا لاختلاف البلدان في العديد من الجوانب غير القابلة للمراقبة التي تتعلق بالدخل والإنفاق على الرعاية الصحية- يبدو أن النماذج الاقتصادية القياسية الأكثر تعقيدًا التي تتناول قضية «المتغيرات المحذوفة» تؤكد أن تأثير الناتج المحلي الإجمالي لكل نسمة على الإنفاق إيجابي وهام بوضوح (للاطلاع على مناقشة فنية لهذا الاستنتاج، انظر Culyer and Newhouse 2000⁠k).

نفقات الرعاية الصحية مقابل الناتج المحلي الإجمالي لكل نسمة، 2022⁠4

الجانب المالي للرعاية الصحية

السياق

في القسم السابق، قدمنا أدلة تدعم حقيقة وجود عوائد صحية كبيرة محتملة لاستثمارات الرعاية الصحية. هنا نستكشف الأدلة التجريبية المتعلقة بكيفية تمويل استثمارات الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم.

اقرأ بتعمق أكبر عن إنفاق وتمويل الرعاية الصحية، شاملًا التعريفات، ومصادر البيانات، في صفحتنا التعريفية حول موضوع تمويل الرعاية الصحية.

متى بدأت البلدان مرتفعة الدخل في توسيع أنظمة رعايتها الصحية؟

تعود أقدم البيانات حول تمويل الرعاية الصحية إلى أواخر القرن التاسع عشر - وذلك عندما بدأت العديد من الدول الأوروبية رسميًّا في إنشاء أنظمة رعاية صحية من خلال القوانين التشريعية. يقدم الرسم هنا تقديرات للإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة مختارة من البلدان ذات الدخل المرتفع باستخدام بيانات من مصادر متعددة.

إنفاق الرعاية الصحية الحكومي مُمَثَّلًا كحصة من الناتج القومي المحلي، 1880 إلى 2021⁠5

ما السرعة التي يمكن توسيع تغطية الرعاية الصحية بها؟

كما لاحظت أعلاه، كانت البلدان الأوروبية رائدة في توسيع أنظمة الرعاية الصحية في النصف الأول من القرن العشرين. والرسم البياني التالي، من تقرير التنمية البشرية (2014)، يضع إنجازات هذه البلدان في منظورها الصحيح. على وجه التحديد، يحدد الرسم البياني التالي تغطية حماية الرعاية الصحية لمجموعة مختارة من البلدان خلال الفترة من 1920 إلى 2010. كما نرى، زادت فرنسا والنمسا وألمانيا تغطية الرعاية الصحية في السنوات من 1920 إلى 1960، بينما فعلت ذلك إسبانيا والبرتغال واليونان لاحقًا، في السنوات من 1960 إلى 1980. ومع ذلك، من المثير للاهتمام أن هذا الرسم البياني يُظهر أيضًا بعض الأمثلة البارزة للبلدان التي وسعت تغطية الرعاية الصحية في وقت لاحق جدًّا، ولكن بسرعة أكبر. على وجه الخصوص، بَنَت الصين ورواندا وفيتنام أنظمة حماية صحية في القرن الحادي والعشرين، تقريبًا من الصفر، وحققت تغطية شبه شاملة في غضون عقد واحد فقط. تُظهر هذه الأمثلة إمكانية توسيع حماية الرعاية الصحية بسرعة كبيرة، وليس فقط عند مستويات التغطية المبدئية المنخفضة.

تطور تغطية الحماية الصحية كنسبة مئوية من إجمالي التعداد السكاني في الدول المُختارة - شكل 4.2 في تقرير التنمية البشرية (2014)⁠l

كيف يتغير الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية في العقود الأخيرة؟

في العقدين الماضيين، كان مجموع إجمالي الإنفاق العالمي على الرعاية الصحية مستقرًّا نسبيًّا، مع اختلافات كبيرة في المستويات بين البلدان. يستخدم الرسم البياني التالي بيانات من منظمة الصحة العالمية (منشورة في مؤشرات التنمية العالمية) لإظهار ذلك.

إجمالي نفقات الرعاية الصحية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، 2021⁠6

ما مدى أهمية الإنفاق الشخصي من جيب المواطن حول العالم؟

في العديد من البلدان، يتخذ جزء مهم من التمويل الخاص للرعاية الصحية شكل الإنفاق «من الجيب». يشير هذا إلى النفقات المباشرة التي تدفعها الأُسَر، بما في ذلك المكافآت والمدفوعات العينية، لمقدمي الرعاية الصحية. يعرض الرسم البياني التالي الإنفاق الشخصي على الرعاية الصحية حسب البلد (كنسبة مئوية من إجمالي نفقات الرعاية الصحية). وكما يمكن ملاحظته، فإن هذه النفقات في البلدان مرتفعة الدخل لا تمثل سوى جزء صغير من الإنفاق على الرعاية الصحية (مثل فرنسا، حيث كانت الحصة أقل من 8٪ دائمًا في السنوات من 1995 إلى 2013 كلها)؛ بينما تمثل في البلدان منخفضة الدخل معظم التمويل (مثل أفغانستان، حيث بلغت حصة الإنفاق الشخصي 87.7 % في عام 2002). وقد اتَّبعَتْ بلدان كثيرة مسارًا واضحًا في اتجاه تخفيض هذا النوع من النفقات (لا سيما في العالم النامي)، ومع ذلك فقد سارت بعض البلدان في الاتجاه المعاكس (روسيا مثال ملحوظ على ذلك، حيث زادت حصة الإنفاق الشخصي بمقدار ثلاثة أضعاف في العقد الماضي).

نسبة الإنفاق الشخصي على الرعاية الصحية، 2022⁠7

التشريع والسياسات العامة

السياق

للسياسات العامة مجال للتأثير على المخرجات الصحية. ونقدم هنا بعض الأمثلة الملموسة.

يمكنك العثور على مزيد من المعلومات المتعمقة في أطروحاتنا المخصصة للتطعيم ومكافحة الأمراض وتمويل الرعاية الصحية.

يعمل قانون الرعاية الميسرة الأمريكي على تحسين تغطية الرعاية الصحية

في يونيو 2012، قدمت الولايات المتحدة قانون الرعاية الميسرة (ACA) - وهو إصلاح قانوني يهدف إلى تحسين إمكانية الوصول للرعاية الصحية، وتحمل تكاليفها، وجودتها.⁠8

كان هذا، إلى حد كبير، مدفوعًا بحقيقة أن نسبة الأفراد غير المؤمَّن عليهم في الولايات المتحدة كبيرة وظلت ثابتة تقريبًا خلال عقود من النمو الكبير في الإنفاق. يُظهر الرسم البياني التالي النسبة المئوية للأفراد في الولايات المتحدة الذين ليس لديهم تأمين صحي للفترة 1963-2015. كما نرى، هناك تغيُّران ملحوظان في الاتجاهات تفصلهما فترة طويلة من الاستقرار الملحوظ: هناك انخفاض حاد في عدد غير المؤمَّن عليهم في عام 1965 مع إنشاء برنامج العناية الطبية ميديكير Medicare وبرنامج التأمين الصحي ميديكيد Medicaid، ثم تغير طفيف نسبيًّا لعقود، ثم انخفاض حاد آخر في عام 2012 مع إدخال ACA. تُظهر البيانات المفصلة أن تلك الولايات التي قررت توسيع برامج Medicaid الخاصة بها شهدت انخفاضات أكبر في معدلات غير المؤمن عليهم من 2013 إلى 2015، خاصةً عندما كان لدى تلك الولايات عدد كبير من السكان غير المؤمن عليهم ابتداءً (انظر أوباما (2016)⁠m لمزيد من المناقشة لهذه الأرقام). في حين أن هذا بالمعنى الدقيق للكلمة هو مجرد دليل وصفي (لا يمكننا معرفة ما كان سيحدث للاتجاهات بدون إدخال ACA)، يبدو من المعقول افتراض أن التحسينات الملحوظة في تغطية الرعاية الصحية حصلت بالفعل نتيجةً لقانون الرعاية الميسرة ACA.

النسبة المئوية للأشخاص الذين ليس لديهم تأمين صحي في الولايات المتحدة⁠9

حملات التطعيم تُحسِّن معدل الإصابة بالأمراض وعبئها

الفيروس العَجَليِّ (فيروس روتا) هو السبب الأكثر شيوعًا للإسهال ويسبب 527,000 حالة وفاة سنويًّا في مرحلة الطفولة (تقديرات عام 2011). يصاب الكثيرون بالمرض ويُنقَلون إلى المستشفى⁠n.

قدَّمت المكسيك التطعيم ضد الفيروس العَجَليِّ بين عامي 2006 و 2007، ويوضح الرسم البياني التالي مدى سرعة ونجاح التطعيم في جميع أنحاء البلاد. وفقًا للدراسة، انخفض معدل وفيات الإسهال للأطفال دون سن الخامسة بمقدار 56 % على مدى ثلاث سنوات.

يمكن العثور على البيانات التي تقارن انتشار الأمراض قبل وبعد إدخال لقاحات مختلفة في الولايات المتحدة في روش ومورفي Roush and Murphy (2007)⁠o. ونقدم هنا جدولًا يلخص النتائج التي توصلوا إليها. كما يمكن ملاحظته، في معظم الحالات كان انخفاض الحالات قريبًا من 100 %.

تخفيض عدد حالات الإصابة بالأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات في الولايات المتحدة قبل وبعد إدخال اللقاح - ROUSH AND MURPHY (2007)⁠10

المرضعدد الحالات قبل اللقاحانخفاض الحالات بعد تقديم اللقاحعدد الوفيات قبل اللقاحانخفاض الوفيات بعد تقديم اللقاح
الخُناق (الدفتيريا)21,053100 %1,822100 %
الحصبة530,16299.90 %440100 %
النكاف155,76095.90 %39100 %
السعال الديكي185,12092.20 %4,00799.30 %
شلل الأطفال حاد19,794100 %1,393100 %
شلل الأطفال16,316100 %1,879100 %
الحصبة الألمانية47,73499.90 %17100 %
متلازمة الحصبة الألمانية الخلقية15199.30 %--
الجُدَرِيّ29,005100 %337100 %
التيتانوس53992.90 %46899.20 %
التهاب الكبد A102,03587 %11986.90 %
التهاب الكبد B53,06380.10 %19080.20 %
المستديمة النزلية B (غَزْوِيَّة)19,950>99.8 %995> 99.5 %
الالتهاب الرئوي (غَزْوِيّ)21,51734.10 %1,65025.40 %
الحُماق (جدري الماء)3,472,35285 %8681.90 %

يمكن لحملات التطعيم القضاء على الأمراض

الجدري اليوم مرض من أمراض الماضي. تظهر الخريطة التالية متى قُضِيَ عليه في كل بلد. كانت أجزاء من أفريقيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط والبرازيل آخر الأماكن التي قُضِيَ فيها عليه. لكن قُضِيَ عليه في أجزاء أخرى من العالم، وخاصة أوروبا، في وقت سابق. يشير هذا إلى أن الاستئصال البطيء في بعض أجزاء العالم كان يرجع في المقام الأول إلى ضعف أنظمة التحكم واستراتيجيات التطعيم غير الفعالة.

الجدري: متى قُضِيَ عليه في كل بلد؟⁠p

تغطية الخدمات الصحية الأساسية آخذة في الازدياد

تغطي الخدمات الصحية الأساسية مجموعة من متطلبات الصحة الأساسية، مثل الكشف عن السل وعلاجه (TB)، وعلاج فيروس نقص المناعة البشرية، وتنظيم الأسرة، والمرافق الصحية، والتحصين ضد الدفتيريا (الخناق) والسعال الديكي (الشهاق) والتيتانوس (الكزاز)/اللقاح الثلاثي DTP3. يوضح الرسم البياني التالي من منظمة الصحة العالمية اتجاهات التغطية العالمية عبر مؤشرات التتبع الرئيسة للخدمات الصحية الأساسية من 2000 إلى 2015.

وبصفة عامة، نرى زيادة إجمالية في التغطية العالمية منذ عام 2000. غير أن بعض الخدمات الصحية تشهد ارتفاعًا حادًّا - فكثيرًا ما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجهود معينة للتمويل وتوفير الموارد الناشئة عن السياسات العامة الكبيرة وتدخلات المجتمع المدني المُنَسَّقَة. أظهرت التغطية العالمية في تدخلات التتبع ضد فيروس نقص المناعة البشرية والسل والملاريا أكبر زيادة - وهذا انعكاس قوي للزيادة الكبيرة في الموارد المُقَدَّمَة من خلال الصندوق العالمي وخطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز «بيبفار» (PEPFAR).

كما شهدت تغطية تحصين (DTP3) زيادة كبيرة منذ عام 2000. كان هذا الارتفاع أكثر أهمية عبر مناطق معينة. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، زادت تغطية DTP3 بنحو 50 % منذ عام 2000 - وهذا مرة أخرى انعكاس قوي لزيادة التمويل في هذه المجالات من التحالف العالمي للقاحات والتحصين (GAVI)، ووكالة الأمم المتحدة، والأموال الإضافية المقدمة من المانحين.

وعادةً ما كانت الزيادات في تغطية خدمات صحة الأم والطفل أبطأ من تلك المتعلقة بفيروس نقص المناعة البشرية والسل والملاريا وتحصين (DTP3)، ولكنها لا تزال تشهد زيادة مُطَّرِدَة منذ عام 2000. وعلى غرار DTP3، فإن مستوى الزيادة هذا يختلف اختلافًا كبيرًا حسب المنطقة؛ فقد أفاد البنك الدولي بأن تغطية الرعاية السابقة للولادة قد زادت بنسبة 30-60 % في مناطق خارج أوروبا والأمريكتين⁠q.

التوجهات في التغطية العالمية لمؤشرات تتبع الخدمات الصحية الأساسية، من عام 2000 إلى عام 2015⁠r

لا يزال توافر الأدوية في البلدان النامية يشكل عائقًا أمام إمكانية الوصول إلى الأدوية بأسعار معقولة

هناك عدة عوامل ضرورية لضمان حصول كل شخص على الأدوية الأساسية - أولاً، يجب أن تكون متاحة، وثانيًا يجب أن تكون ميسورة التكلفة.

في الرسم البياني نرى مستويات توافر الأدوية (من 2001-2007) داخل القطاع العام (الخط الأزرق)، والقطاع الخاص (الخط الأصفر) عبر ثلاثين دولة نامية. وتَظْهَر هذه على أنها متوسط التوفر حسب المنطقة، مع بيان القيم الدنيا والقصوى أيضًا.

هناك العديد من الاتجاهات المهمة التي يجب تسليط الضوء عليها. أولاً، إن توافر الأدوية داخل القطاع العام في البلدان النامية منخفض - 35 % فقط في المتوسط عبر 27 دولة أُبلِغ عنها هنا. ومع ذلك، فإن توفر الأدوية داخل القطاع الخاص أعلى باستمرار، وهذا غير مضمون أيضًا - في المتوسط، كان أكثر من ثلث مقدمي الخدمات من القطاع الخاص يتمتعون بإمكانية كافية للحصول على الأدوية الأساسية⁠s.

ولهذا تداعيات هامة على الحصول على الأدوية الأساسية - وخاصة بالنسبة لأفقر الناس. تقدم معظم المرافق الصحية في القطاع العام الأدوية بتكلفة منخفضة أو مجانيَّة، لذلك فهي ضرورية في توفير الرعاية الصحية للفقراء. عندما لا تكون الأدوية متاحة في القطاع العام، يضطر الأفراد إلى محاولة الوصول إليها عبر الخواص؛ وعادةً ما يكون ذلك أكثر تكلفة ولا يمكن تحمل أعبائه بالنسبة للكثيرين. وكما نناقش في صفحتنا التعريفية حول موضوع تمويل الرعاية الصحية، فإن حساسية الأسعار أمر بالغ الأهمية في البلدان منخفضة الدخل، لدرجة أن التكاليف الصغيرة لمنتجات الرعاية الصحية المهمة تحدث فرقًا كبيرًا في الطلب.

توافر الأدوية المختارة في المرافق الصحية العامة والخاصة بين عامي 2001 و2007 (نسبة مئوية)⁠11

مصادر البيانات الرئيسة

مؤشرات التنمية العالمية (WDI)، التي نشرها البنك الدولي، هي المصدر الرئيس للبيانات المُحَدَّثة الشاملة لعدة بلدان عن العمر المتوقع، ووفيات الأطفال، ووفيات الأمهات. مصادر البيانات الأخرى الأكثر تخصصًا مسرودة ومناقَشة في أطروحاتنا حول متوسط العمر المتوقع، ووفيات الأطفال.

المصدر الرئيس للبيانات حول الإنفاق الدولي على الرعاية الصحية هو منظمة الصحة العالمية (WHO)، وبتحديدٍ أكبر قاعدة بيانات الإنفاق الصحي العالمي. هذه هي نفس البيانات التي نشرها البنك الدولي (مؤشرات التنمية العالمية) ومؤسسة Gapminder. وهو أيضًا مصدر جداول الإنفاق الصحي الواردة في تقرير إحصاءات الصحة العالمية ومرصد الصحة العالمي التابع لمنظمة الصحة العالمية؛ ويُستَخدَم كمُدخَل في قاعدة بيانات المساعدة التنموية من أجل الصحة Development Assistance for Health Database من معهد القياسات الصحية والتقييم IHME⁠t. يمكنك قراءة المزيد عن القياس وجودة البيانات والمزيد من التفاصيل حول المصادر المتاحة في القسمين الأخيرين من صفحتنا التعريفية حول موضوع تمويل الرعاية الصحية.


المنشور الأصلي: Esteban Ortiz-Ospina و Max Roser (2016) Global health, Our World in Data.

ترجمة: محمد هانئ حلمي.