سبب تخوف الخبراء من انتشار وباء مُصنّع - وما يمكننا فعله لمنع ذلك

بقلم Kelsey Piper
الأمن البيولوجيالتحيز
كريستينا أنيماشاون/Vox

كيلسي بايبر كاتبة بارزة في فيوتشر بيرفكت (Future Perfect)، قسم Vox المُستوحى من الإيثار الفعال حول أكبر تحديات العالم. تبحث في موضوعات متنوعة مثل تغير المناخ والذكاء الاصطناعي وتطوير اللقاحات والمزارع الصناعية، وتكتب أيضًا النشرة الإخبارية في فيوتشر بيرفكت.

جزء من سلسلة Pandemic-Proof على فيوتشر بيرفكت حول التطويرات التي يمكننا إجراؤها للتحضير للجائحة القادمة.

منذ عقود، عندما اتفق العالم لأول مرة على المعايير والخطوط الإرشادية الواردة في اتفاقية الأسلحة البيولوجية (BWC)، كان تصميم وإنتاج الأسلحة البيولوجية مكلفًا وصعبًا. فكان لدى الاتحاد السوفيتي مثلًا برنامج كبير، يُشتبه في أنه أدى إلى حادث إطلاق لفيروس إنفلونزا واحد على الأقل مُتسبِّبًا في وفاة عشرات الآلاف. لكن لا يبدو أن السوفييت قد توصلوا إلى أي شيء أكثر فتكًا مما تنتجه الطبيعة.

وإلى حدٍّ كبير، لم تتمكن الجماعات الإرهابية المنخرطة في الإرهاب البيولوجي - مثل طائفة أوم شينريكيو (Aum Shinrikyo)، التي شنت هجومًا بيولوجيًّا فاشلاً في اليابان عام 1993 - حتى الآن من صناعة ما هو أخطر من الجمرة الخبيثة، وهي مسببات أمراض طبيعية المنشأ مميتة لمن يستنشقها لكن غير معدية ولا يمكنها الانتشار في العالم مثل المرض الوبائي.

لكن قدرتنا على هندسة الفيروسات قد تنامت سريعًا في السنوات الأخيرة، والفضل في ذلك يرجع جزئيًّا إلى الانخفاض السريع في أسعار تقنيات تسلسل الحمض النووي وتخليقه. لقد فتحت هذه التطورات الباب أمام الابتكار الطبي، لكنها تمثل أيضًا تحديًّا: فالفيروسات القاتلة والمدمِّرة مثل فيروس كورونا (Covid-19)، أو حتى الأسوأ منه بكثير، سيكون إنتاجها ممكنًا في المختبرات في جميع أنحاء العالم قريبًا، إن لم يكن الآن.

لمنع الأوبئة التي قد تكون أسوأ بكثير من فيروس كورونا، يتعيَّن على العالَم تغيير نهجه في إدارة المخاطر البيولوجية العالمية تغييرًا كبيرًا. قال باري بافيل (Barry Pavel)، مدير سياسة الأمن القومي في المجلس الأطلسي، وفيكرام فينكاترام (Vikram Venkatram)، المؤلف المشارك بالمجلس الأطلسي: «يمكن لعلماء الأحياء الهواة الآن تحقيق أعمال باهرة كانت حتى وقت قريب مستحيلة حتى بالنسبة لطليعة الخبراء في المختبرات المرموقة».

سيتطلب منا تجنب وقوع كارثة في العقود القادمة أن نأخذ بجدية أكبر بكثير مخاطر الأوبئة التي يصنعها الإنسان، من خلال القيام بكل شيء بدءًا من تغيير الكيفية التي نُجري بها الأبحاث إلى تعسير «طباعة» الفيروسات المميتة على الناس.

كان فيروس كورونا طلقةً تحذيرية تنبهنا للسرعة التي يمكن أن ينتشر بها المرض الوبائي في جميع أنحاء العالم، ومدى سوء جاهزيتنا لحماية أنفسنا من فيروس قاتل حقًّا. إذا أخذ العالم تلك الطلقة التحذيرية على محمل الجد، فيمكننا حماية أنفسنا ضد الجائحة التالية، سواء كانت طبيعية أو من صنع الإنسان. أخبرني كيفن إسفلت (Kevin Esvelt) عالم الأحياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أنه من خلال الخطوات الصحيحة، يمكننا أن نجعل أنفسنا «مقاومين للغاية، بل حتى مُحصَّنين ضد التهديدات البيولوجية التي يصنعها الإنسان».

أما إذا تجاهلنا هذا التهديد، فقد تكون العواقب وخيمة.

شرح كيفية نشوء مسببات الأمراض من المختبرات

لا يُعرف على وجه اليقين ما إذا كان الفيروس الذي تسبب في انتشار كوفيد-19 هو إطلاق عَرَضي من معهد ووهان لأبحاث الفيروسات (WIV)، الذي كان يَدرِس فيروسات كورونا مماثلة، أم أنه «انتشار لمرض حيواني المنشأ» من حيوان في البرية، وهو السبب الأكثر تداولًا. وجد تحليل أجراه مجتمع الاستخبارات الأمريكي أن كلا الاحتمالين واردان. أشارت دراستان غير مطبوعتين نُشرتا في عام 2022 إلى سوق حيوانات حية في ووهان كأصل للتفشي الأوليِّ للمرض. وسلطت التقارير الأخيرة في Vanity Fair الضوء على الأبحاث المحفوفة بالمخاطر والمتهورة التي تُعدِّل فيروسات كورونا في المختبر لدراسة ما إذا كانت ستصيب البشر بسهولة أكبر، وشرحت بالتفصيل كيف وحد العلماء الذين يجرون مثل هذه الأبحاث الصفوف لضمان عدم إلقاء اللوم على عملهم كسبب للوباء.

والحقيقة هي أننا قد لا نعرف أبدًا على وجه اليقين. قد يستغرق الأمر سنوات لتتبع مرض حيواني المنشأ بشكل قاطع إلى مصدره الحيواني، وقد أوضحت الصين أنها لن تتعاون مع مزيد من التحقيقات التي يمكنها أن توضح أي دور ربما لعبته أبحاث معهد ووهان لأبحاث الفيروسات في أصل كوفيد، حتى وإن كان ذلك قد حدث عن غير عمْد.

يصطف حراس الأمن على الطريق أمام معهد ووهان لأبحاث الفيروسات في مقاطعة هوبي بوسط الصين في 3 فبراير 2021، حيث يزوره أعضاء فريق منظمة الصحة العالمية للتحقيق في أصول فيروس كوفيد 19 (كورونا). هيكتور ريتامال/وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) عبر Getty Images

أيًّا كانت سلسلة الأحداث التي تسببت في كوفيد 19، فإنَّنا نعلم بالفعل أن تفشِّي الأمراض المعدية يمكنه أن ينشأ في المختبر. ففي عام 1978، بعد عام من آخر إبلاغ عن حالات الجُدَرِيِّ، تسبب تسرب معملي في تفشي المرض في المملكة المتحدة. توفيت المصورة جانيت باركر (Janet Parker)، بينما أصيبت والدتها بحالة خفيفة وتعافت؛ طُعِّمَ أكثر من 500 شخص كانوا قد تعرضوا للفيروس. (التطعيم ضد الجدري يمكنه الحماية من الجدري حتى بعد التعرض له). كانت تلك الاستجابة السريعة واسعة النطاق لوحدها ما منع ما كان قد يؤدي إلى عودة المرض إلى أوجِه بعد أن كان قد انقرض بالفعل.

لم تكن هذه المرة الوحيدة التي كاد الجدري أن يعود فيها، المرض الذي *قتل ما يُقدَّر بنحو 300 مليون شخص *في القرن العشرين وحده. فقد اكتُشِفَت ستة قوارير جدري غير مؤمَّنة قابعة في ثلاجة في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH) في عام 2014، بعد أن نُسِيَت هناك لعقود من بين 327 قارورة من أمراض ومواد أخرى مختلفة. وجدت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أن إحدى القوارير قد تعرضت للخطر - ولحسن الحظ لم تكن واحدة من تلك التي تحتوي على الجدري أو مرض فتاك آخر.

وتوجد أمراض أخرى كانت في قلب حوادث معملية مماثلة. ففي مارس 2014، قام باحث في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) في أتلانتا بتلويث قارورة من إنفلونزا الطيور غير الضارة إلى حد ما بسلالة أكثر فتكًا. ثم أُرسِل الفيروس الملوث إلى مختبرين زراعيين مختلفين على الأقل. لاحظ أحدهم الخطأ عندما مرضت دجاجاتهم وماتت، بينما لم يُخطَر الآخر لأكثر من شهر.

أُبلغت قيادة مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالخطأ فقط عندما أجرى المركز تحقيقًا مُكثَّفًا في أعقاب خطأ مختلف - وهو احتماليَّة تعرض 75 موظفًا فيدراليًّا للجمرة الخبيثة مباشرةً، بعد أن أخطأ مختبر كان من المفترض عليه أن يُعطِّل عينات من الجمرة الخبيثة وأعدَّ عينات نشطة عوضًا عن ذلك.

بعد ظهور فيروس السارس عام 2003، كانت هناك ست حوادث منفصلة من عدوى السارس المتسربة من المختبرات. من جهة أخرى، في ديسمبر الماضي، أصيبت باحثة في تايوان بعدوى كوفيد-19 بعد أن كانت الجزيرة قد نجحت في قمع تفشي المرض، ولم تحدث أي حالات على المستوى المحلي لأكثر من شهر. عند تتبع خطواتها، اشتَبهت السلطات التايوانية في أنها قد أصيبت بالفيروس من لدغة فأر مصاب في مختبر بيولوجي شديد التأمين.

قال السناتور السابق جو ليبرمان أمام لجنة الدفاع البيولوجي المُمثَّلة من الحزبين (The Bipartisan Commission on Biodefense) في مارس الماضي: «الحقيقة هي أن الحوادث المختبرية ليست نادرة في علوم الحياة. فمن الطبيعي أن تزداد وتيرة حوادث المختبرات، مادامت البلدان في جميع أنحاء العالم تبني مختبرات إضافية لإجراء أبحاث حول مسببات الأمراض شديدة العدوى والقاتلة.»

وفقًا لبحث نُشر العام الماضي من قِبَل جريجوري كوبلنتز (Gregory Koblentz) وفيليبا لينتزوس (Filippa Lentzos)، الباحثيْن في الأمن البيولوجي في كلية كينجز لندن (King’s College London)، يوجد الآن ما يقرب من 60 مُختبَرًا مصنَّفًا على أنه من المستوى الرابع من السلامة البيولوجية (BSL-4)، وهو أعلى تصنيف للأمن البيولوجي للمختبرات المصرَّح لها بالعمل على أخطر مسببات الأمراض، إما قيد التشغيل أو قيد الإنشاء أو مُخَطَّطٌ له في 23 دولة مختلفة. بُنيَ ما لا يقل عن 20 من هذه المختبرات في العقد الماضي، ويقع أكثر من 75 في المائة منها في المراكز الحضرية حيث يمكن أن ينتشر التسرب المعملي بسرعة.

سيكون هناك المزيد من عمليات التسرب المعملية في المستقبل، وهذا أمرٌ يكاد يكون مؤكدًّا؛ إذ أن هندسة الفيروسات التي يمكنها التسبب في تفشي جائحة في حالة التسرب أصبحت أرخص وأسهل. هذا يعني أنه من الممكن الآن لمختبر واحد أو مجموعة صغيرة أن تتسبب في دمار شامل في جميع أنحاء العالم، إما عمدًا أو بالخطأ.

يزعُم بافيل (Pavel) أن «افتقاد الإرهابيِّين في الماضي إلى الخبرة الفَنِّيَّة، والتحدّي الكامن في استخدام التكنولوجيا البيولوجية بهدف تصنيع وإطلاق مسببات الأمراض الخطيرة، كان سببًا في الحد من إمكانيَّة تسبب الإرهاب البيولوجي في آثار واسعة النطاق». أما الآن، فيرى بافيل أن التحدي تتناقص حِدَّته؛ نتيجةً للإمكانية المتزايدة لحصول الناس على هذه التكنولوجيا، ولتزايد سهولة استخدام هذه التكنولوجيا. ونتيجة ذلك هي أن حوادث الإرهاب البيولوجي ستصبح قريبًا أوسع انتشارًا.

البحث عالي الخطورة وكيفية مكافحته

كانت معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية، التي دخلت حيِّز النفاذ في عام 1975، أول معاهدة دولية تحظر إنتاج فئة كاملة من أسلحة الدمار الشامل.

أصبح تحديد أو إنشاء أسلحة بيولوجية جديدة غير قانوني في 183 دولة وقعَّت على المعاهدة. كما تطالب المُعاهدة الدُوَل بتدمير أي أسلحة بيولوجية موجودة أو استخدامها في الأغراض السلمية. وكما قال الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون (Richard Nixon) في عام 1969 عندما أَعلَن أن الولايات المتحدة ستتخلى عن كل أسلحتها البيولوجية: إن الجنس البشري يحمل بالفعل بذور دماره الذاتي.

صورة تُظهر فنيِّين يعملون في مختبر في فورت ديتريك في فريدريك بولاية ماريلاند في أواخر الستينيات من القرن العشرين في إطار برنامج الأسلحة البيولوجية الهجومية الذي أداره الجيش هناك من 1943 إلى 1969. وزارة الدفاع/أسوشيتد برس (AP)

لكن معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية تعاني من نقص التمويل ولا توضَع على سُلَّم الأولويات على الرغم من حجم التهديد الذي تشكله الأسلحة البيولوجية. إذ أن لديها عددًا قليلًا فقط من الموظَّفين الذين يديرون وحدة دعم التنفيذ فيها، مقارنة بالمئات في اتفاقية الأسلحة الكيميائية، و*ميزانية تقل* عن الميزانية المتوسطة لمطعمٍ واحدٍ من مطاعم ماكدونالدز. ويمكن للولايات المتحدة بسهولة تعزيز معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية تعزيزًا كبيرًا من خلال تخصيص تمويل صغير نسبيًّا، ونحن نرى أن ذلك من واجبها.

وعلى الرغم من الأهداف الواسعة للمعاهدة، فإن الكثير من العمل المطلوب لتحديد مسببات الأمراض الخطيرة التي تُعتبر بمثابة أسلحة بيولوجية لا يزال قائمًا - ليس كجزء من البرامج السرية في حقبة الحرب الباردة التي كانت تُصمَّم عمداً لإنشاء مسببات الأمراض للأغراض العسكرية، ولكن من خلال تنظيم البرامج حسنة النوايا لدراسة وفهم الفيروسات القادرة على التسبب في جائحة مستقبلية. وهذا يعني أن معاهدة حظر الأسلحة البيولوجية لا تعمل الكثير لتقييد الكثير من البحوث التي تُشكِّل الآن أكبر خطر لاستخدام الأسلحة البيولوجية في المستقبل، حتى لو كان إطلاق تلك الفيروسات غير مُتَعَمَّدٍ على الإطلاق.

أحد هذه الأنواع من العلوم هو ما يسمى ب*أبحاث «اكتساب الوظيفة»*، حيث يجعل الباحثون الفيروسات أكثر قدرةً على الانتقال والفتك في البشر كجزء من دراسة كيفية تطور هذه الفيروسات في البرية.

أخبرني آندي ويبر (Andy Weber)، وهو مساعد وزير الدفاع السابق لبرامج الدفاع النووي والكيميائي والبيولوجي في إدارة أوباما، والآن يشغل وظيفة زميل أقدم في مجلس المخاطر الاستراتيجية (The Council on Strategic Risk): «سمعت عن أبحاث اكتساب الوظيفة للمرة الأولى في التسعينيات من القرن العشرين، ولكننا حينها كنا نطلق عليها اصطلاحًا مختلفًا: أبحاث الأسلحة البيولوجية وتطويرها. الهدف من هذه الأبحاث مغايرٌ تمامًا - إذ تحاول المعاهد الوطنية للصحة (NIH) إنقاذ العالم من الأوبئة - لكن عند التنفيذ، يمكن للنتيجة أن تكون عكسيَّة تمامًا».

طُعِن بشدة في أهمية أبحاث اكتساب الوظيفة خلال العقد الماضي. ففي عام 2014، وبعد سلسلة من الإخفاقات المخيفة في إجراءات السلامة والاحتواء المعملي التي أوجزتُها أعلاه وبعد الكشف عن أبحاث اكتساب وظيفة مقلقة على إنفلونزا الطيور، فرضت المعاهد الوطنية للصحة، والتي تمول الكثير من أبحاث البيولوجيا الأكثر تطوُّرًا في جميع أنحاء العالم، تعليق نشاط أبحاث اكتساب الوظيفة على مسببات الأمراض التي ترفع من خطر تفشي الأوبئة مثل الأنفلونزا أو السارس (SARS). ولكن في عام 2017، استُئنِفَت الأبحاث دون توضيح السبب.

أما في الوقت الحالي، فإن الولايات المتحدة تمول أبحاث اكتساب الوظيفة في عدد قليل من المختبرات المُختارة، على الرغم من اعتراضات العديد من علماء الأحياء البارزين الذين يرون أن الفوائد المحدودة لهذا العمل لا تستحق تكاليفه الباهظة. في عام 2021، تم تقديم مشروع قانون لحظر المِنَح البحثية الفيدرالية التي تمول أبحاث اكتساب الوظيفة على فيروسات السارس ومرس (متلازمة الشرق الأوسط التنفسية) والإنفلونزا.

بالإضافة إلى خطر أن يتسرب أحد الفيروسات خطأً بعد أن يزداد قوّةً خلال أبحاث اكتساب الوظيفة، مؤدِّيًا إلى تفشي أكبر - وهي إحدى نظريات بدء كوفيد-19، وإن كانت غير مُثبَتة - قد يصعب التمييز بين الأبحاث المشروعة، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر، وبين جهود متعمدة لخلق مسببات الأمراض الخبيثة. أخبرني ويبر أنه: «بسبب دعم حكومتنا لأبحاث اكتساب الوظيفة المحفوفة بالمخاطر ،فقد أنشأنا الغطاء المثالي للبلدان التي تريد إجراء أبحاث الأسلحة البيولوجية».

الشيء الأول الذي يوصي به فيبر لمنع الوباء التالي هو إنهاء التمويل الحكومي للأبحاث المحفوفة بالمخاطر التي من المعقول جدًّا أنها السبب في هذه الجائحة وفي الجائحات المستقبلية.

تتضمن أحد المجالات الأخرى الخطرة في أبحاث علم الفيروسات تحديد الأنواع الحيوانية التي تعمل كحاملات للفيروسات القادرة على الانتقال إلى البشر والتسبب في وباء. يذهب العلماء المشاركون في هذا العمل إلى المناطق النائية لأخذ عينات من مسببات الأمراض التي تحتمل الخطر، وإعادتها إلى المختبر، وتحديد ما إذا كانت قادرة على إصابة الخلايا البشرية. ويبدو أن هذا هو بالضبط ما فعله الباحثون في معهد ووهان لأبحاث الفيروسات في السنوات التي سبقت جائحة كوفيد-19 أثناء بحثهم عن المصدر الحيواني لفيروس سارس الأصلي.

وقد أُعلِنَ عن مثل هذه الأعمال بأنَّها وسيلة لمنع مسببات الأمراض القادرة على التسبب في الوباء من الانتقال إلى البشر، لكنها كانت عديمة الفائدة إلى حد كبير عندما حان الوقت لمحاربة فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة من النوع الثاني (SARS-CoV-2)، طِبقًا لويبر. أخبرني ويبر بأنه: «بعد 15 عامًا من هذه الأعمال، أعتقد أنها لم تُسفِر عن أية نتائج مُرضِيَة». وجهة النظر تلك ليست الوحيدة داخل مجتمع الفيروسات، لكنها وجهة نظر يحملها الكثيرون. يعتقد ويبر أن كوفيد-19 يُفترض أن يدعونا إلى إعادة التفكير، قائلًا: «كما خَلُص مجتمع الاستخبارات، من المعقول أنها المتسببة بالفعل في هذا الوباء. ولم تكن ذات أي فائدةٍ تُذكَر في منعه أو التنبؤ به».

نرى العمال بجوار قفص مع الفئران، على اليمين، داخل مختبر P4 الذي يقع على المستوى الرابع من السلامة البيولوجية (BSL-4) في ووهان في 23 فبراير 2017. بُنيَ المختبر الوبائي P4 بالتعاون مع شركة الصناعة البيولوجية الفرنسية Institut Merieux والأكاديمية الصينية للعلوم. يوهانس إيزيل/وكالة الصحافة الفرنسية عبر Getty Images

من المؤكد أنه لا تزال هناك مساحة للعمل المخصص لتحديد الفيروسات الواقعة على الحدود بين الحياة البرية والإنسان ومنع انتشارها، لكن تاريخ أعمال الاكتشاف الفيروسي التي لم تحقق نجاحًا كبيرًا جَعَل العديد من الخبراء يتساءلون عما إذا كان نهجنا الحالي للاكتشاف الفيروسي سليمًا. وهم يعتقدون أن الفوائد قد بولِغَ فيها بينما تُغُوضِيَ عن حجم الأضرار المحتملة.

في كل مرحلة من العملية، يتولد عن مثل هذا البحث إمكانية التسبب في انتقال عدوى من الحيوان إلى الإنسان بدلًا من دراسته ومنعه. والنتيجة النهائية هي أن القائمة المفصلة لجميع مسببات الأمراض التي صنفها الباحثون على أنها خطيرة للغاية في حال إطلاقها، هي أفضل هدية لبرامج الأسلحة البيولوجية أو الإرهابيين.

وبفضل التطور في تقنية تخليق الحمض النووي، فبمجرد أن يكون لديك تسلسل الحمض النووي الريبوزي (RNA) للفيروس، فمن السهل نسبيًا «طباعة» التسلسل وإنشاء نسختك الخاصة من الفيروس (المزيد عن هذه النقطة أدناه). قال لي إسفلت: «في هذه الأيام، لا يوجد خط فاصل بين تصنيف شيء ما على أنه قادر على خلق وباء وبين إتاحة هذا الشيء كسلاح».

ولكن الخبر الجيِّد هو أن تغيير مسار الأبحاث الخطيرة ليس بالأمر الصعب على صانعي السياسات.

تُمَوِّل معاهد الصحة الوطنية الأمريكية حصة كبيرة من أبحاث علم الأحياء على مستوى العالم، ومن شأن تجديد حظرها لتمويل الأبحاث الخطرة أن يحد كثيرًا من هذه الأعمال. إذا تبنت الولايات المتحدة سياسات حازمة وشفافة ضد تمويل الأبحاث التي تعمل على جَعْل مسببات الأمراض أكثر فتكًا أو على تحديد مسببات الأمراض القادرة على التسبب في الأوبئة، فسيكون من الأسهل القيام بالدوْر القيادي اللازم لتثبيط هذا العمل في البلدان الأخرى.

أخبرني إسفلت بأن «الصين تمول هذا النوع من الأبحاث أيضًا». ولكن لعلهم منفتحون الآن على إعادة النظر في هذا النهج بعد الهلع من فيروس كورونا، لكننا إذا لم نتوقف، فسيكون من الصعب جدًّا التحدث إلى الصين وحملهم على التوقف.

حاصل كل هذا هو الوصفة الآتية لصانعي السياسات: أوقفوا تمويل الأبحاث الخطرة، واسعوا إلى بناء الإجماع العلمي والسياسي الضروري لحمل الدول الأخرى على التوقف أيضًا عن تمويل مثل هذه الأبحاث.

ولكن هذه الوصفة البسيطة تحمل وراءها قدرًا كبيرًا من التعقيد. فقد انتهى الأمر بالعديد من المناقشات حول ما إذا كان ينبغي للولايات المتحدة تمويل الأبحاث الخطيرة إلى جدالات فنية حول معنى مصطلح «أبحاث اكتساب الوظيفة» - كما لو أن الشيء المهم هو المصطلحات العلمية، وليس ما إذا كان مثل هذا البحث قد يؤدي إلى وباء قادر على قتل الملايين من الناس.

توصل تقرير أجراه كلٌ من مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي (Johns Hopkins Center for Health Security) ومبادرة التهديد النووي (Nuclear Threat Initiative) في 2021 إلى أن «94% من البلدان ليس لديها تدابير إشراف على المستوى الوطني للبحوث ذات الاستخدام المزدوج، والتي تشمل القوانين الوطنية أو اللوائح المتعلقة بالرقابة، أو وكالة مسؤولة عن الرقابة، أو دليل على تقييم وطني للبحوث ذات الاستخدام المزدوج».

وإذا حدث ذلك، فقد تكون النتيجة بنفس سوء ما تقدر على إنتاجه الطبيعة، إن لم يكن أسوأ. وهذا بالضبط هو ما حدث في محاكاة لجائحة أجراها مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي في عام 2018 من قبل. في هذا السيناريو الخيالي، تقوم مجموعة إرهابية على غرار أوم شينريكيو بتصميم فيروس يجمع بين القدرة العالية على الانتقال عند فيروسات نظير الإنفلونزا البشرية (Parainfluenza) - وهي عائلة من الفيروسات التي تسبب أعراضًا خفيفة إلى حد ما للأطفال الصغار - مع الضراوة الشديدة لفيروس نيباه (Nipah virus) والنتيجة كانت فيروسًا خارقًا قادرًا على قتْل 150 مليون شخص في جميع أنحاء العالم.

تخليق الحمض النووي وكيف غير حسابات الأسلحة البيولوجية

أخبر ليبرمان لجنة لدفاع البيولوجي التابعة للحزبين في مارس «إن التقدم في علم الأحياء التركيبي والتكنولوجيا البيولوجية يجعل صناعة مسببات الأمراض الأكثر فتكًا وقدرةً على الانتقال أسهل من أي وقتٍ مضى، وإن التقدم في علوم الحياة يحدث بوتيرة لم تتمكن الحكومات من مواكبتها، مما يزيد من خطر الإطلاق المتعمد أو العَرَضيِّ لمسببات الأمراض الخطيرة».

كان أحد أكثر مجالات التقدم إثارة في علم الأحياء هو السهولة المتزايدة لتخليق الحمض النووي - وهو القدرة على «طباعة» الحمض النووي (أو الحمض النووي الريبوزي، الذي يشكل المادة الجينية لفيروسات مثل الأنفلونزا أو فيروسات كورونا أو الحصبة أو شلل الأطفال) من تسلسل معروف. قديمًا، كان إنشاء تسلسل الحمض النووي بحسب الطلب أمرًا مكلفًا بشكل لا يصدق أو حتى مستحيلًا؛ أما الآن، فقد أصبح الأمر أسهل وأرخص نسبيًَا، مع وجود شركات متعددة تعمل في مجال توفير جينات بحسب الطلب عبر البريد. وفي حين أن إنتاج فيروس لا يزال يتطلب المهارة العلمية شديدة، إلا أنها ليست باهظة الثمن كما كانت من قبل، ويمكن أن يقوم بها فريق أصغر بكثير من السابق.

يعمل توماس يبرت (Thomas Ybert)، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة DNA Script للتكنولوجيا البيولوجية، على النسخة التجريبية من أول طابعة DNA منضدية في العالم في أغسطس 2020، بالقرب من باريس. في يونيو 2021، أعلنت DNA Script عن الإطلاق التجاري «للطابعة»، والتي يمكن أن تخلق جزيئات الحمض النووي الاصطناعية التي يمكن أن تستخدمها المختبرات. إريك بيرمونت/وكالة الصحافة الفرنسية عبر Getty Images

هذه أخبار عظيمة؛ يتيح تخليق الحمض النووي قدرًا كبيرًا من الأبحاث البيولوجية المهمة والقيِّمة. لكن التقدم في تخليق الحمض النووي كان سريعًا لدرجة أن التنسيق ضد الجهات الفاعلة الخطرة التي قد تسيء استخدامه قد تأخر.

علاوة على ذلك، يتطلب التحقق من التسلسل مقابل قائمة التسلسلات الخطرة المعروفة من الباحثين الاحتفاظ بقائمة من التسلسلات الخطرة المعروفة - وهو في حد ذاته شيء يمكن أن يستخدمه الفاعلون السيئون لإحداث ضرر. والنتيجة هي «خطر معلوماتي»، وهو ما يعرِّفه عالِم المخاطر الوجودية نيك بوستروم (Nick Bostrom) بأنه المخاطر التي تنشأ من نشْر أو احتمال نشْر معلومات حقيقية قد تسبب ضررًا أو تُمَكِّن بعض الجهات من إحداث ضرر.

أخبرني جيمس ديجانز (James Diggans)، الذي يعمل في مجال الأمن البيولوجي في مزود الحمض النووي الاصطناعي الرائد في الصناعة Twist Bioscience، في عام 2020: «إن الحمض النووي هو تقنية مزدوجة الاستخدام بطبيعتها». ما يعنيه ذلك هو أن تخليق الحمض النووي يجعل الأبحاث البيولوجية الأساسية وتطوير الأدوية المنقذة للحياة أسرع، ولكن يمكن أيضًا استخدامه لإجراء أبحاث يمكن أن تكون مميتة للبشرية.

هذا هو اللغز الذي يواجهه باحثو الأمن البيولوجي اليوم، سواء كانوا في الصناعة أو الأوساط الأكاديمية أو الحكومة: وهو محاولة معرفة كيفية جعل تخليق الحمض النووي أسرع وأرخص لاستخداماته المفيدة العديدة مع ضمان فحص كل تسلسل مطبوع والتعامل مع المخاطر بشكل مناسب.

إذا بدت هذه مشكلة صعبة الآن، فعلى الأغلب إنها ستزداد سوءًا في المستقبل. نظرًا لأن تخليق الحمض النووي أصبح أرخص وأسهل من أي وقت مضى، يتوقع العديد من الباحثين إنشاء معدات تخليق سهلة الاستخدام تسمح للمختبرات ببساطة بطباعة الحمض النووي الخاص بها حسب حاجة أبحاثهم، دون الحاجة إلى وسيط. يمكن لشيء مثل معدات التخليق سهلة الاستعمال أن يحقق تقدمًا رائعًا في علم الأحياء - ويؤدي في نفس الوقت إلى تفاقم التحدي المتمثل في منع الجهات الفاعلة السيئة من طباعة الفيروسات الخطرة.

ومع الانخفاض في تكلفة تخليق الحمض النووي، ستمثل عملية فحص التسلسلات الخطرة النسبة الأكبر من التكلفة، وبالتالي سيصبح التوفير في مثل هذه العمليات من مصلحة الشركة المالية، إذ إنها إن لم تقم بالفحص ستكون قادرة على العرض بأسعار أقل بكثير.

طَوَّر إسفلت والفريق الذي يعمل معه — والذي يضم باحثين من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين — إطارًا لحل محتمل. هم يريدون الاحتفاظ بقاعدة بيانات بها تجزئات من التسلسلات المميتة والخطيرة — سلاسل أُنشِأَت رياضيًّا لتتوافق خصِّيصًا مع كل تسلسل، ولكن لا يمكن هندستها بشكل عكسي لمعرفة التسلسل الأصلي الخطير إذا كنت لا تعرفه بالفعل. سيسمح ذلك بفحص التسلسلات مقابل قائمة من التسلسلات المميتة دون المخاطرة بخصوصية أي شخص وملكيته الفكرية، ودون الاحتفاظ بقائمة متاحة للعامة من التسلسلات المميتة التي يمكن لمجموعة إرهابية أو برنامج أسلحة بيولوجية استخدامها كقائمة تسوق.

وقد أخبرني إسفلت: «إننا نتوقع في وقت لاحق من هذا العام، إتاحة فحص تخليق الحمض النووي مجانًا للبلدان في جميع أنحاء العالم».

لجعل الأمور آمنة حقًّا، يجب أن يكون مثل هذا الاقتراح مصحوبًا بمتطلبات حكومية بأن ترسل شركات تخليق الحمض النووي التسلسلات للفحص مقابل قاعدة بيانات معتمدة لتسلسلات خطيرة مثل قاعدة إسفلت. لكن ما نأمله هو أن يتم الترحيب بمثل هذه اللوائح إذا كان الفحص آمنًا وشفافًا ومجانيًّا للمستهلكين — وبهذه الطريقة، يمكن جعْل البحث أكثر أمانًا دون إبطاء التقدم في العمل البيولوجي المشروع.

تُعتبر الحوكمة الدولية دائمًا عملية موازنة صعبة، وبالنسبة للعديد من هذه الأسئلة، سنحتاج إلى الاستمرار في إعادة النظر في إجاباتنا أثناء ابتكارنا وتطويرنا للتقنيات الجديدة. لكن لا يمكننا تحمل مخاطر الانتظار. أصاب متغير أوميكرون من كوفيد-19 عشرات الملايين من الأشخاص في الولايات المتحدة في غضون بضعة أشهر فقط. عندما يتفشى المرض، يمكنه فعل ذلك بسرعة، ومن الممكن أن يكون الأوان قد فات بحلول الوقت الذي نكتشف فيه أن لدينا مشكلة.

لحسن الحظ، يمكن استباقيًّا تقليل خطر وقوع كارثة خطيرة كثيرًا من خلال خياراتنا، من برامج الفحص إلى جَعْل الفيروسات القاتلة أكثر صعوبة في الهندسة، إلى الجهود العالمية لإنهاء البحث في تطوير أمراض جديدة خطيرة. لكن علينا أن نخطو هذه الخطوات على أرض الواقع، فورًا وعلى مستوى العالم، وإلا فلن ينقذنا التخطيط مهما بلغ مداه.


المنشور الأصلي: Kelsey Piper (2022) Why experts are terrified of a human-made pandemic - and what we can do to stop it, Vox, 5 أبريل.

ترجمة: محمد هانئ حلمي.