لماذا أجد بُعد الأمدية أمرًا صعبًا، ودوافع البقاء متحفِّزًا

بقلم Michelle Hutchinson
بُعد الأمدية

أجد العمل على قضايا بعيدة المدى أمرًا صعبًا عاطفيًّا: حيث يوجد العديد من المشكلات المروعة في العالم حاليًّا . فكيف نشيح بوجهنا عن كل المعاناة التي تحدث حولنا من أجل إعطاء الأولوية لتصوُّرٍ مجرَّدٍ مثل جعل المستقبل أفضل على المدى الطويل؟

يبدو أن العديد من الأشخاص الذين يحاولون تطبيق الرؤية بعيدة المدى في صراع مع هذا الأمر، بما فيهم العديد من الأشخاص الذين عملت معهم على مدار السنين. وأنا لست باستثناء من هذا الأمر - فمن الصعب الهروب من وطأة المعاناة التي نشهدها حاليًا. ولهذا السبب وددت مشاركة بعض الأفكار عن كيفية التعامل مع هذا التحدي، وكيف أحافظ على حماسي للعمل على التدخلات المستقبلية غير مضمونة النتائج رغم صعوبة ذلك على عدة مستويات.

هذه المسألة تُعدّ جانبًا واحدًا من مسألة أوسع نطاقًا في الإحسان الفعال: وهي اكتشاف طريقةٍ لتحفيز أنفسنا للقيام بعمل مهم حتى وإن لم تكن مقنعةً عاطفيًّا. من المفيد أن يكون لدينا فهم واضح لمشاعرنا من أجل التمييز بين المشاعر والمعتقدات التي ندعمها أو تلك التي لا نرغب - بعد التفكير مليًا - في التصرف وفقًا لها.

ما وجدته صعبًا

أولًا، لا أدعي أن الجميع يواجهون صعوبة في العمل على القضايا بعيدة المدى لنفس أسبابي، أو بنفس الطريقة. كما أود توضيح أنني لا أتحدث نيابة عن منظمة 80,000 ساعة.

تتمحور معاناتي مع العمل الذي لا أقوم به حول البشر الذين يعانون من أمراض يمكن الوقاية منها في البلدان الفقيرة. وهذا يعود بشكل كبير إلى ما كنت أعمل عليه في البداية قبل التعرُّف على الإيثار الفعال. أما بالنسبة للأشخاص الآخرين، فمن الواضح أنهم لا يعملون بجدية لمنع الوحشية في المزارع الصناعية. لن أتحدث عن الطرق العديدة التي يواجه فيها الناس صعوبة في تركيز عملهم على المستقبل بعيد المدى - ولأغراض تتعلق بهذه المقالة، سأركز حديثي على تجربتي الخاصة.

أشعر برغبة قوية في مساعدة الناس في الوقت الحاضر

إن جزءًا كبيرًا من المعاناة الموجودة اليوم لا ينبغى أن تكون موجودة. يعاني الناس ويلقون حتفهم بسبب عدم وجود تدابير وعلاجات وقائية رخيصة. إن الأمراض التي تمكنت الدول الغنية من القضاء عليها لا تزال تؤرق الملايين في جميع أنحاء العالم. وهناك أدلة قوية تثبت فعالية التدخلات الطبية الرخيصة مثل الناموسيات المعالجة بالمبيدات الحشرية المضادة للملاريا. ومع ذلك فإن العديد من سكان الدول الغنية يتمتعون بالرفاهية المالية، وينفقون نسبة كبيرة من دخلهم على السلع والخدمات غير الضرورية. ومع وجود مثل هذه اللامساواة التي يمكن منعها، من الصعب جدًا تصديق أنني لا ينبغي أن أتدخل لإصلاح الوضع.

وبالمثل، غالبًا ما يكون من الصعب تصديق أنه لا ينبغي لي مساعدة الأشخاص الذين يعيشون بالقرب مني - مثل المشردين في مدينتي، أو الأشخاص المسجونين بطريقة غير قانونية في بلدي. من الصعب تقبُّل وجود مثل هذه المعاناة الواضحة التي يمكن الوقاية منها والتي لا أبذل أي مجهود لمكافحتها.

في رأيي، إنَّ تأجيل مساعدة من هم على قيد الحياة اليوم لصالح مساعدة أشخاص مستقبليين أصعب من تأجيل مساعدة أبناء بلدي مقابل مساعدة أشخاص يعيشون في بلدان أخرى في الجانب الآخر من العالم. يرجع هذا جزئيًا إلى إدراكي بأنه إذا لم نتخذ إجراءات لتحسين المستقبل فإن الأجيال القادمة تستطيع تحقيق ذلك. وعلى العكس، إذا لم نتخذ الإجراءات اللازمة لمساعدة الفقراء اليوم، فإن الأجيال القادمة لن تستطيع التدخل وحل محلنا. لذلك فإنَّ مصير الأرواح التي نعجز عن إنقاذها هذا العام هو الهلاك المحتم.

سبب آخر لصعوبة هذا الأمر هو ازدياد الثروات مع مرور الوقت. لذلك لدينا سبب وجيه للاعتقاد أن الأفراد المستقبليين سيكونون أكثر ثراءً بكثير من الأفراد في زمننا الحالي، وبالتالي فإنَّ الأفراد المستقبليين كما يبدو، لن يكونوا في حاجة إلى مساعدتنا بقدر من هم في حاجة لمساعدتنا في الوقت الحالي. ولا يوجد حجة مشابهة حول مساعدة الأشخاص في البلدان البعيدة جغرافيًا.

الحجج المؤيدة لبُعد الأمدية ليست مقنعة عاطفيًّا

الأسباب التي تدفعنا لتحسين حياة الأفراد الذين على قيد الحياة حاليًا هي أسباب مؤثرة عاطفيًا. يعزو هذا جزئيًا إلى كونها واجبات ذات أهمية واضحة تثقل كاهلنا، ولا يمكن تخفيف حدة هذه الواجبات إلا واجبات أكثر أهمية منها. وبالمقارنة، فإن الحجة التي تدعم تركيز الجهود على المدى البعيد أقرب إلى التخمين منها إلى الحقيقة، وتعتمد على موازنة دقيقة للحجج المعقدة.

ألخص أدناه آرائي عن الحجج المؤيدة للرؤية بعيدة المدى، ولماذا - رغم اقتناعي بهذه الحجج فكريًا - لا تخفف من شعوري بوجوب تخفيف المعاناة الحالية بدلًا من ذلك. أود الإشارة إلى أن آرائي ليست تصريحات صارمة حول وجوب التركيز على القضايا ذات الرؤية بعيدة المدى (والتي ناقشتها مؤسسة 80,000 ساعة في مقالات أخرى).

يُحتمل أن يكون مستقبل الكائنات الواعية كبيرًا بدرجة لا يمكن تصورها. مما يعني أن لو توافرت لنا فرصة مهما كانت ضئيلة للتأثير عليه بطريقة مستدامة وإيجابية، فإن اغتنام هذه الفرصة يستحق العناء.

إحدى الطرق التي تمكننا من إحداث تأثير على المستقبل طويل المدى هي من خلال منع انقراض جميع أشكال الحياة. بالنظر إلى حقيقة أن الأشخاص الحاليين لديهم فرصة محو الأجيال القادمة تعني انعدام فرصة الأجيال القادمة في تحسين المستقبل إن لم نفعل نحن هذا أولًا. كما تعني أن حقيقة أن الأفراد المستقبليين يُحتمل أن يكونوا أكثر ثراءً منا ليست ذات أهمية.

هناك طرق أخرى يمكن فيها للقيمة أن تتراجع بشكل لا رجعة فيه بسبب نظام شمولي حاكم غير الانقراض. مما يشير إلى احتمالية أن يكون هناك أجيال مستقبلية، ولكنهم سيعيشون في أوضاع سيئة للغاية إذا لم نتدخل.

تبدو لي هذه النتائج المروعة من الممكن حدوثها. وهي من الأخطار التي يجب علينا دراستها، لمعرفة ما إذا كان بإمكاننا تقليلها. في الواقع هناك العديد من الأسباب التي تشير إلى أن المجتمع لا يجيد التعامل مع تلك المخاطر: فالأعمال التجارية لديها محفزات تدفعها لكسب المال على المدى القصير، ويريد السياسيون الفوز بالانتخابات في السنوات المقبلة، كما أن الأفراد عادةً ما يخططون بشكل سئ (حتى لمستقبلهم!).

أرى أن الحجج المذكورة أعلاه منطقية وأؤمن بها تمامًا.كما أعتقد أنه يتوجب علي إعطاء الأولوية للعمل على تحسين المستقبل طويل المدى.

وعلى الرغم من ذلك، تبدو تلك الحجج أقرب إلى كونها تخمينات. وحتى وإن كانت صحيحة، فليس هناك ما يضمن بأنني سأحدث أي تأثير من خلال تحسين تمثيل الأجيال المستقبلية في تشريعاتنا على سبيل المثال، أو من خلال زيادة عدد أبحاث الأولويات العالمية - ناهيك عن مجرد محاولة تحقيق أي من هذين الأمرين. مما يعني أنني فقط أراهن على إمكانية قدرتي على إحداث تأثير إيجابي كبير، برغم يقيني أن ذلك قد لا ينجح. كما يشعرني اختيار القيام بهذه الإجراءات المستقبلية - بدلًا من التبرع لتوزيع ناموسيات مكافحة الملاريا - بأنني أقامر بحياة الآخرين.

كيف أتغلب على تلك الصعوبات

نتيجة للمشكلات التي ذكرتها، أحيانًا ما يكون من الصعب الاحتفاظ بحماسي للقيام بالأشياء التي يتوجب علي القيام بها. أحد الأشياء التي تثلج صدري هي أن العمل على المدى الطويل يبدو صعبًا بنفس مقدار صعوبة الإيثار الفعال: أي أنه كلما كانت المشكلة ملحوظة - وكلما بدا العمل عليها أكثر إلحاحًا - كلما توقعنا أن يكون هناك أشخاص يعملون على حلها بالفعل. لذلك أتوقع أن العمل على المشكلات الأكثر إلحاحًا ليس ذا أهمية وضرورة بديهية بقدر العمل على بعض المشكلات الأخرى. ولو كان الأمر كذلك، لكانت تلك المشكلات أقل إهمالًا.

ما يُحدث أكبر فرق في مقدار حماسي اليومي هو كوني أنتمي لمجتمع أحترمه بشدةٍ وأهتم به. إن رغبتي في إسعاد من حولي وعدم خذلان زملائي هي ما تجعل من العمل الشاق أمر يسير. ليس من الضروري أن يتفقوا مع قيمي الشخصية - إذا كنت أعمل لكي أتبرع بدخلي، وكنت في حاجة إلى أداء وظيفتي بشكل جيد من أجل الحفاظ على دخلي (وزيادته!)، فأحد الأمور التي تساعدني على هذا هي وجود زملاء يؤدون عملهم على أكمل وجه ويهمهم نجاح الشركة التي يعملون بها. ولكي لا أخذلهم، سأكون متحمسًا بدوري للعمل الجاد والقيام بمهامي.

شئ آخر يُحدث فارقًا ملحوظًا في مقدار حماسي هو الاستمرار في التفكير والحديث عن الحجج المؤيدة للقضايا والتدخلات الأكثر إلحاحًا. إحدى الطرق التي أفعل بها ذلك هي تعبيري عن مخاوفي البديهية كوني لا أعمل على الشيء الصحيح، وأناقش تلك المخاوف مع أشخاص مؤمنين بقيم مماثلة لتلك التي أؤمن بها. وقيامي بهذا يساعدني على فهم أيٍّ من آرائي الشخصية تبدو بديهية ولكني لا أؤمن بها في النهاية، وأيٍّ منها أؤيدها فعليًا ويمكنني الدفاع عنها.

كما أحاول مواصلة القراءة والانخراط في النقاشات التي تشير إلى وجوب العمل على حل مشكلات أخرى. أحد الأمور المهمة بشكل خاص هي الاستمرار في التساؤل وتوضيح المعتقدات غير البديهية، فلا يمكنك الاعتماد على حدسك في تنبيهك بأنك تبتعد عن المسار الصحيح (لأن حدسك يظن بالفعل أنك خرجت عن المسار).

ورغم ذلك، قد يكون من المربك والمحبط أن تتشكك باستمرار في مسارك أو عملك. قد يكون من المهم القيام بذلك عندما تكون على وشك بدء مشروع جديد أو عندما تغير من مسارك بشكل ملحوظ (على الرغم من أنني أستمتع بشدة بمتابعة الحجج الجديدة المثيرة للاهتمام حال ظهورها، مثل تلك التي تُنشر على منتدى الإيثار الفعال على سبيل المثال).

بالنسبة لي، كان من المفيد أن أقطع على نفسي تعهدات ملموسة للقيام بالأشياء الأكثر فاعلية. فأنا عضو في منظمة Giving What We Can، مما يعني أنني تعهدت بالتبرع بـ 10% من دخلي للمنظمات التي أعتقد أنَّ بإمكانها تحسين العالم بشكل أكثر فعالية. وفي الواقع، أنا أتبرع بأكثر من هذا المبلغ بقليل كل عام - جزء من تلك التبرعات يذهب لمنظمات رفاه الحيوان للتعويض عن أكلي للحوم، والجزء الآخر يذهب إلى أيِّ منظمة تنمية عالمية (عادةً ما تكون منظمة Against Malaria Foundation) وذلك لأني أبغض فكرة أني لا أفعل شيئًا للحد من الفقر العالمي. لكني دائمًا ما أتبرع بنسبة 10% من دخلي للمؤسسات التي أعتقد أنها ستحقق أفضل النتائج، ولأنني قطعت على نفسي هذا العهد.

أحد الأساليب التي استخدمها، وهو أسلوب لدي مشاعر متباينة حوله، هو تخيل الأضرار أو عدم وجود فوائد في المستقبل تبدو أكثر واقعية. على سبيل المثال، قد أتخيل أن البشرية انقرضت بسبب وباء من صنع الإنسان في حرب بيولوجية متهورة، وأن الكون سيظل خاليًا من أشكال الحياة الواعية لدهور. إن التفكير في مثل تلك الأمثلة تبرر ما أشعر به ، وتذكرني بأن مثل تلك الأضرار المستقبلية ليست أقل واقعية من الأضرار الحالية بالنسبة لأولئك الذين يختبرون هذه الأضرار.

إحدى تحفظاتي على هذا الأسلوب هو بسبب وجود الكثير من النتائج السيئة المحتملة للعالم، فقد يكون من المضلل التمسك بأي نتيجة بعينها. وقد يؤثر هذا الأسلوب على أفعالك بطرق غير مقصودة. إحدى الطرق لتجنب هذا هي محاولة تصور نتائج إيجابية ملموسة: فكر في عالم تنتشر فيه كائنات مزدهرة في جميع بقاع الكون. وبصفة شخصية، أجد هذا الأمر أقل تحفيزًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى اعتقادي أن الكائنات الحية لديها قدرة أكبر على اختبار الألم من قدرتها على اختبار المتعة.

وبجانب كل الطرق المذكورة أعلاه، أعتقد أنه من المفيد حقًا وجود أشخاص آخرين في محيطك يفكرون بطرق مماثلة - ويمكنكم مشاركة اقتراحات ملموسة حول ما ينجح، وأن تشعر بالارتياح عندما تعرف أنك لست وحدك من يواجه الصعوبات. كَوني جزءًا من مجتمع الإيثار الفعال مجتمع أحدث فارقًا كبيرًا لدي بهذه الطرق، سواء كان ذلك عبر الإنترنت (على سبيل المثال، منتديات الإيثار الفعال) أو شخصيًا ( حيث حالفني الحظ في أن أعيش بجوار مجموعة محلية للإيثار الفعال).

عندما أتخبَّط للقيام بالشيء الصحيح ، أذكر نفسي بحقيقة أنه وسط الغموض الذي يشوب الرؤية بعيدة المدى، هناك شئ متيقَّن منه: وهو أنَّي أكترث لأمر الأفراد المستقبليين بقدر ما أكترث بأمر الأفراد الحاليين. سأتبرع لتوزيع ناموسيات تحمي جنين حتى لو لم يكن هذا الجنين قد تشكل بعد، كما سأتبرع لتدريب طبيب أطفال الآن لصالح الأطفال الذين سيُولدون في العقود قادمة.

يوجد العديد من الأشخاص في المستقبل ممن لا يجيدون الدفاع عن قضاياهم. ويتجاهلهم المجتمع تمامًا. لا أستطيع تخيل صورة هؤلاء الأشخاص في ذهني، وليس لدي أي تصور عن ما سيُبتلون به، أو هل سيكون لهم فرصة الوجود. ولكني أستطيع استغلال مهنتي في محاولة تحسين حياتهم، أو هذا ما أتوقعه. وما يتوجب علي فعله.


هذا العمل مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي 4.0 الدولية.


المنشور الأصلي: Michelle Hutchinson (2021) Why I find longtermism hard, and what keeps me motivated, 80,000 Hours, 22 فبراير.

ترجمة: إيمان وجيه.