ما هي أكبر مشاكل العالم، ولِم ليست أول ما يخطر في ذهنك؟

بقلم Benjamin Todd
اختيار المهنةالإحسان الفعال

أمضينا السنوات العشر الماضية محاولين الإجابة عن سؤال مهمٍّ وبسيط: ما هي أكبر المشاكل وأكثرها تهميشًا في العالم؟

ورغبةً منَّا في تحقيق أثرٍ إيجابيٍّ من خلال مساراتنا المهنية، فإننا انطلقنا لنستكشف أيّ الأماكن تكون فيها مجهوداتنا أكثر فعاليةً.

خلُص تحليلنا إلى أن اختيار المشكلة الصائبة قد يزيد من تأثيرك إلى أكثر من 100 ضعف، ممّا قد يجعله الدافع الأهم لتأثيرك.

نضع بين أيديكم هنا ملخّصًا عمّا تعلمناه. واصل القراءة لتعرف لمَ قد يساهم إنهاء الإسهال في الحفاظ على الأرواح بقدر مساهمة إحلال السلام العالمي، ولم قد يكون الذكاء الاصطناعي أمرًا أهمّ منهما كليهما، وما الذي يمكنك فعله في مسارك المهنيّ الخاص لجعل أكثر التغييرات المستعجَلة تتحقق على أرض الواقع.

وباختصار، فإن أكثر المشاكل إلحاحًا هي التي يحقّق الناسُ من خلال العمل عليها أعظمَ أثَر. وكما شرحنا في المقال السابق فهذا لا يعني أكبر المشاكل فحسب، بل يعني أيضًا المشاكل المهمّشة والقابلة للحل. وكلما كانت المشكلة أكثر تهميشًا وقابليةً للحلّ، صارت الجهود أكثر نفعًا. ولهذا فهي ليست المشاكل البديهية التي تخطر على الذهن من أول وهلة.

إذا كنت ترغب في الاطلاع على الجواب مباشرة، انتقل إلى قائمتنا لأكثر مشاكل العالم إلحاحا.

(وقت القراءة المتوقع: 25 دقيقة).

لماذا لا تُعَدّ مشاكل الدول الغنية هي الأكثر أهمية – ولم لا ينبغي ضرورةً أن تنطلق الأعمال الخيرية محليًّا

أغلب الناس الذين يحبون فعل الخير يُركّزون على بلدانهم المحلية. وفي الدول الغنية، فهذا يعني مشاكل من قبيل التشرد، والتعليم في الأحياء الشعبية المركزية، والتوظيف. لكن هل هي أكثر المشاكل إلحاحًا؟

في الولايات المتحدة الأمريكية، تُنفق 5% من التبرعات الخيرية فحسب على المساعي الدولية 1. وأشهر المسارات المهنيّة لدى الخريجين الموهوبين الذين يريدون فعل الخير هي التعليم والصحة، ويشكّل عدد الخريجين فيهما مجتمعين 40%، كما تتركز مساهماتهم في مساعدة الناس داخل الولايات المتحدة⁠a.

هناك أسباب معقولة للتركيز على مساعدة بلادك – أنك تُدرك المشاكل إدراكًا أكبر، ولأنك قد تشعر بنوع من المسؤولية الخاصة تجاهها. ومع ذلك، فقد صادفنا سنة 2009 سلسلةَ الحقائق التالية. وقد خلُصنا من خلالها إلى أن أكثر المشاكل استعجالًا ليست محليّةً، وأنها متعلقة بالفقر في أكثر بلدان العالم فقرًا – وعلى وجه الخصوص الجهود المتعلقة بالصحة، مثل مكافحة الملاريا والديدان الطفيلية. (وكما سنذكر لاحقًا، فإننا نعتقد بوجود قضايا أكثر إلحاحا من مشكلة الفقر العالمي – وبالأخص، الأخطار الكارثية التي قد تؤثر على العالم أجمع وعلى المستقبل).

لمَ نقول أن أكثر المشاكل إلحاحًا ليست مشاكل محلية؟ حسنًا، إليك هذا الشكل البياني الصاعق، والذي صادفناه أثناء أبحاثنا.

المصدر: بوفكالنت وميلانوفيتش⁠b

إنه نفس توزيع الدخل العالمي الذي رأيناه في مقال سابق.

فحتى الأفراد الذين يعيشون في خط الفقر الأمريكي بأقل من 14,580$ سنويًّا (في سنة 2023) يعتبرون أغنى من حوالي 85% من سكان العالم، وأغنى 20 مرةً من أفقر 700 مليون إنسانٍ في العالم، الذين يتمركزون أساسًا في أمريكا الوسطى وإفريقيا وجنوب آسيا ويعيشون بأقل من 800$ سنويًّا. وقد عُدِّلت هذه الأرقام بالفعل بما يتناسب مع حقيقة أن المال يقدم منافع أكبر في البلدان الفقيرة (بحسب مبدأ تعادل القوة الشرائية)⁠c.

وكما أشرنا سابقًا، فكلما ازددت فقرًا، ازداد الفارق الذي تحدثه الأموال الإضافية في تحقيق رفاهيتك. بناءً على هذا البحث، ولأن أفقر الناس في إفريقيا أفقر بعشرين ضعفٍ، فإننا نتوقع أن يزيد إسهام الموارد المتوفرة في مساعدتهم بما يقارب العشرين ضعفًا.

كما أن هناك حوالي 40 مليون شخصٍ فقط يعيشون في فقرٍ نسبيٍّ في الولايات المتحدة، أي حوالي 6% من 700 مليون شخصٍ يعيش تحت خط الفقر المدقع في العالم⁠d.

كما أن الموارد المكرّسة لهذه الفئة الصغيرة من الناس أكبر بكثير. تبلغ المساعدات الإنمائية الخارجية من دول العالم المتقدمة إجمالًا حوالي 200 مليار دولار سنويًّا، مقارنة بما يقرب من 1.7 تريليون دولار تُنفق على الرعاية الاجتماعية في الولايات المتحدة لوحدها⁠e.

أخيرًا، وكما رأينا سابقًا، فإن نسبةً كبيرةً من التدخلات الاجتماعية الأمريكية لا تؤدي الغرض المرجوّ منها غالبًا، وذلك بسبب تعقّد المشاكل التي تواجه الفقراء في الدول الغنية ولصعوبة حلّها. إضافةً لذلك، فحتى أكثر التدخلات استنادًا على الأدلة تكون مُكلفة وذات آثار محدودة.

وتنطبق نفس المقارنة على البلدان الغنية الأخرى، مثل المملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، والاتحاد الأوروبي. (أما إذا كنت تعيش في بلد ذي دخل منخفض، فقد يكون من الأفضل لك التركيز على المشاكل الموجودة في بلدك).

وكل ما سبق لا ينفي أنّ الفقراء في الدول الغنية لا يعانون من معيشةٍ قاسية، بل قد يكونون في بعض الجوانب أسوأ من البلدان النامية. إلا أن جوهر الأمر أن عددهم قليل، وإمكانية مساعدتهم أصعب.

إذًا أين يتوجّب عليك توجيه تركيزك إن لم توجّهه نحو بلدك المحلي؟

قد يكون لجاي-زي (Jay-Z)99 مشكلةً، لكن أيّها تعتبر الأكثر إلحاحًا؟

الصحة العالمية: مشكلة يمكنك إحداث تقدم حقيقي فيها

سابقًا حكاية الدكتور نالين الذي ساهم في تطوير علاج الإمهاء الفهموي (oral rehydration therapy) كدواءٍ للإسهال.

ماذا لو أخبرناك أن جهود الدكتور نالين وغيره خلال النصف الثاني من القرن العشرين ساهمت في حفظ حيوات الناس بقدر ما كان إحلال السلم العالمي ليحقق خلال نفس الفترة؟

لقد انحدر عدد الوفيات السنوية بسبب الإسهال بثلاثة ملايين حالة وفاة خلال العقود الخمس الماضية وذلك بفضل تطورات من قبيل علاج الإمهاء الفموي.

وفي نفس الوقت، تسبّبت جميع الحروب والمجاعات السياسية في مقتل حوالي مليوني إنسان سنويًّا خلال النصف الثاني من القرن العشرين⁠f.

وقد حقّقنا انتصارات شبيهةٍ على أمراض معديةٍ أخرى.

الكفاح العالمي ضد الأمراض هو واحدٌ من أعظم الإنجازات البشرية، إلا أنها معركة جارية وبإمكانك المساهمة فيها خلال مسيرتك المهنيّة.

تحقق جزء كبير من هذه الانتصارات من خلال المساعدات الإنسانية، مثل حملة القضاء على الجدري. في الواقع، وبالرغم من اعتقاد العديد من خبراء الاقتصاد العالميين أنّ الكثير من المساهمات الدولية لم تكن فعالة، إلا أن الجميع –بما فيهم أكثر المتشككين– يعتقد أن هناك استثناءً: وهو الصحة العالمية.

على سبيل المثال، نقتبس من ويليام إيسترلي (William Easterly)، مؤلف كتاب “عبء الرجل الأبيض: لماذا أدت جهود الغرب في المساعدات الإنسانية إلى ضرر كثير ومنفعة قليلة” (The White Man’s Burden)، إذ يقول:

لنُعد التركيز إلى حيث ينبغي أن يكون: وفروا لأفقر الناس في العالم احتياجاتهم الواضحة من قبيل اللقاحات، والمضادات الحيوية، والمكمّلات الغذائية، والحبوب المحسّنة والطرق… هذا لا يعني جعل الفقراء معتمدين على المساعدات؛ بل يعني منحهم الصحة والتغذية، والتعليم وغيرها من المدخلات التي ترفع مردودية جهودهم الذاتية لتحسين حياتهم

أين يجب أن نركّز داخل نطاق الصحة؟ أرسل إلينا أحد اقتصاديي البنك الدولي هذه البيانات، وقد أدهشتنا أيضًا.

فعالية التكلفة للتدخلات الصحية، مثلما توجد في مشروع أولويات مكافحة الأمراض 2. اطلع على مقالنا حول هذه البيانات لمزيد من الشرح.

هذه قائمة من العلاجات الصحية، مثل توفير دواء السل أو جراحاته، مرتّبةً بمقدار إنتاجها للصحة مقابل كل دولار منفق، كما قيست في عدة تجارب عشوائية مضبوطة (RCTs). وقد قيست الصحّة من خلال وحدة معيارية تستعمل من طرف اقتصاديي الصحة، تسمى “سنة حياة مُعدَّلة بالجودة (Quality-adjusted life year)”.

النقطة الأولى هي أن كل هذه العلاجات فعالة. وكلها ممولة أساسًا في بلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومع ذلك فإن الناس يموتون باستمرار في البلدان الفقيرة بسبب أمراض كان بالإمكان علاجها حتمًا لو أنهم ولدوا في أماكن أخرى.

وما يبعث على الدهشة هو أن فعالية أفضل التدخلات أعلى من المتوسط بفارق هائل، مثلما توضحه الطفرة على يمين الشكل. يظهر أن أفضل التدخلات مثل اللقاحات لها منافع مهمة، كما أنها في الوقت ذاته رخيصة للغاية. أعلى التدخلات تفوق المتوسط بعشرة أضعاف من حيث فعالية التكلفة،، وبمقدار 15,000 ضعفًا عن أسوأ التدخلات⁠g. هذا يعني أنك إذا كنت تعمل في منظمة خيرية صحية تركّز على واحدة من أفضل التدخلات، فمن المتوقع أن يفوق تأثيركم عشرة أضعاف بالمقارنة مع تدخلات أخرى مختارة عشوائيًّا.

هذه الدراسة ليست مثالية – فيها بعض الأخطاء التحليلية والتي أثرت على النتائج الأعلى (وهذا متوقع بسبب ظاهرة الانحدار نحو الوسط)– إلا أن النقطة الجوهرية لا تزال قائمة: أفضل التدخلات الصحية تفوق فعاليتها متوسط التدخلات بأضعاف مضاعفة.

والسؤال الآن: ما مقدار التأثير الذي يمكنك تحقيقه خلال مسيرتك المهنية بتحويل تركيزك نحو قضايا الصحة العالمية؟

ولأن أفقر الناس في العالم يتجاوز فقرهم عشرين مرةً الفقر الموجود في الدول الغنية، مثلما أوضحنا في المخطط البياني الأول، فإن الموارد الموجهة لهم تجعل مساعدتهم أعلى بعشرين ضعف (اقرأ عن سبب ذلك هنا)⁠h.

إذن في حال ركّزنا على الصحة، فإن هناك تدخلات رخيصة وفعالة، والتي يتفق الجميع على جدواها. و بإمكاننا استعمال البحث المدرج في المخطط البياني الثاني لنختار أفضل التدخلات، مما يجعلنا أكثر فعالية بخمسة أضعاف ربما⁠i. وفي المجمل، فإن هذا يضاعف تأثيرنا 100 ضعف⁠j.

هل هذه الحسبة دقيقة؟ تنوي وكالة الخدمة الصحية الوطنية بالمملكة المتحدة (NHS) والعديد من الوكالات الحكومية الأمريكية إنفاق ما يفوق 30,000$ من أجل منح الفرد سنة إضافيةً من الحياة الصحية⁠k. وهذا استغلال رائع للموارد بالمعايير الاعتيادية.

إلا أنّ أحد الأبحاث التي قامت بها منظمة جيف وِل (GiveWell) وجدت أنه من الممكن منح سنةٍ من الحياة الصحية لرضيع واحد بتبرع يقارب 100$ لواحدة من أفضل المنظمات الخيرية الصحية الدولية من حيث فعالية التكلفة، مثل مؤسسة أجاينست ملاريا (Against Malaria Foundation). هذا لا يجاوز 0.33% من النسبة الأولى تقريبًا⁠2. وهذا يشير إلى أن وظيفة في مؤسسة مثل أجاينست ملاريا قد تحقّق ما يفوق ما تنجزه 300 وظيفة تركز على طريقة اعتيادية لفعل الخير في دولة غنية. (إلا أن الفارق في نظرنا قد يكون أقل إن قمنا بإجراء مقارنة أكثر دقةً وشمولية⁠l).

من الصعب علينا استيعاب مثل هذه الفروقات الضخمة، إلا أنها تعني أن سنة واحدةً من الجهد (مع تساوي المهارة) المكرّس لإحدى أفضل التدخلات في الصحة العالمية قد يكون له تأثير مساوٍ لمئة سنة عمل في قضايا الدول الغنية الاعتيادية.

دفعت هذه الاكتشافات العديد منّا في 80,000 ساعة إلى التبرع بنسبة 10% من دخلنا على الأقل لمنظمات الصحة العالمية الخيرية الفعالة. ومهما كانت المهنة التي نمارسها، فإن هذه التبرّعات تمكّننا من إحداث فارقٍ كبير. وفي الحقيقة، إذا كانت حسابات المئة ضعف صحيحةً، فإن تبرعنا بنسبة 10% مكافئ للتبرّع بنسبة 1000% من رواتبنا لمنظمات خيرية تعالج الفقر في البلدان الغنية.

اطّلع على تفاصيل أكبر حول كيفية المساهمة في الصحة العالمية من خلال ملفنا الكامل.

ومع ذلك فإن كلّ ما تعلمناه حول الصحة العالمية دفعنا لطرح مزيد من الأسئلة. فإذا كان بالإمكان أن نحقق تأثيرا مضاعفا من 10 إلى 100 ضعف من خلال القليل من البحث، فقد نجد ثمّة مجالات أفضل من ذلك لنستكشفها!

لقد فكّرنا في العديد من المساعي لمساعدة فقراء العالم، مثل الإصلاح التجاري، وتشجيع الهجرة، وأبحاث إنتاجية المحاصيل وأبحاث الطب الحيوي.

وقد اتخذنا مسلكًا مختلفًا تمامًا، إذ أننا فكرنا في العمل على إنهاء المزارع الصناعية. والفكرة –باختصار- أن أنظمتنا السياسية والاقتصادية لا ترعى مصلحة الحيوان إلا قليلًا، إلا أن عددها هائل جدًّا: يموت في المزارع الصناعية كل سنة حوالي 100 مليار حيوان. فعلى سبيل المثال، لقد ساهمنا في تأسيس أنيمال شاريتي إفاليويتورز (Animal Charity Evaluators)، والتي تنجز أبحاثًا حول السبل المثلى لتطوير الثروة الحيوانية. ولا نزال نعتقد أن المزارع الصناعية تعتبر مشكلة ملحّة، مثلما نشرحها في ملفنا الكامل. إلا أنّنا قررنا في النهاية التركيز على أمر آخر.

لِم قد يكون التركيز على الأجيال المستقبلية أجدى من معالجة الصحة العالمية حتى؟

من بين الخيارين التاليين، أيهما تختار؟

  1. إنقاذ إنسانٍ واحدٍ من معاناة السنة المقبلة.
  2. إنقاذ 100 شخص من معاناة (بنفس القدر) بعد مئة سنة من الآن.

يفضّل أغلب الناس الخيار الثاني. وهذا مثال ساذج إلا أنّه يوضّح أن أغلب الناس يقدّرون الأجيال المستقبلية.

لولا أن الناس مهتمين بترك إرثٍ للأجيال المستقبلية، لما كان بالإمكان فهم سبب استثمارنا الكبير في العلوم، وإنتاج الفنون، والحفاظ على البرية.

وبالتأكيد فإننا نختار الخيار الثاني. وإذا كنت تقدر الأجيال المستقبلية، فهناك حجج قوية لتصبّ تركيزك على مساعدتهم. ولقد عرّضنا لهذا الموضوع أول مرة باحثون من معهد جامعة أكسفورد (المسمى جزافًا) معهد مستقبل الإنسانية (Future of Humanity Institute).

فما هي حجج القضية؟

أولًا، الأجيال المستقبلية مهمة، إلا أنها لا تستطيع الانتخاب، ولا تستطيع شراء الأشياء، ولا الدفاع عن مصالحها. أي أنّ نظامنا يتجاهلها. وبإمكانك مشاهدة هذا عيانًا في الفشل العالمي للوصول لاتفاق دولي فاعل من أجل التصدي لمشكلة التغير المناخي.

ثانيًا، تعاستهم نظرية. إذ نُذكَّر بتكرار أكبر بقضايا مثل الفقر العالمي والمزارع الصناعية. لكن من الصعب تصوير المعاناة التي ستحدث في المستقبل. فالأجيال المستقبلية تعتمد على نوايانا الطيبة، ومن الصعب أيضًا حشد هذه النوايا.

ثالثًا، من المحتمل أن عدد الناس الذين سيعيشون في المستقبل أكبر بكثير من عدد الناس حاليًّا. ستظل الأرض قابلةً للعيش لمدة لا تقل عن مئات ملايين السنين⁠m. وقد ننقرض قبل ذلك بكثير، لكن إن وُجِدت فرصة للوصول إلى تلك النقطة، فمن المحتمل أن يعيش في المستقبل عدد أكبر بكثير من عدد الأشخاص الأحياء حاليًّا.

وباستعمال أرقام افتراضية: إذا استمر كل جيل لمئة سنة، فعلى مدى 100 مليون سنة سيكون من الممكن أن يعيش مليون جيل مستقبلي⁠n.

هذا الرقم الهائل يجعل لأي مشكلة تؤثر على الأجيال المستقبلية نطاقًا أكبر بكثير من أي مشكلة تؤثر على الحاضر فقط – قد تؤثر على مليون ضعفٍ من الناس، وعلى كل الفنون والعلوم والثقافات والرفاه المترتب عن ذلك. فقد تكون المشاكل المؤثرة على الأجيال المستقبلية هي الأوسع نطاقًا والأكثر تهميشًا.

إضافةً على ذلك، ولأن المستقبل قد يكون طويلًا والكون واسع جدًّا، فمهما كان ما تقدّره حاليًا تقريبًا، فقد تكون في المستقبل أمور أكثر قيمةً بكثير.

وهذا يشير إلى أنّ هناك أسبابًا أعظم مما يراه الناس عادة للحرص على خدمة مسار المستقبل – وليس المستقبل القريب فحسب بل حتى المستقبل بعيد المدى – (نغطي هذه الأفكار بعمقٍ أكبر في مقال مستقل).

لكن هل يمكننا مساعدة الأجيال المستقبلية فعليًّا، أو تحسين المدى الطويل؟ فقد تكون المشاكل المؤثرة على المستقبل كبيرة ومهمشة، إلا أنها غير قابلة للحل أيضًا!

طريقة لمساعدة الأجيال المستقبلية: تجنّب الأخطار الوجودية المهمّشة

في صيف 2013 أشار باراك أوباما (Barack Obama) إلى التغير المناخي بكونه “التهديد العالمي لعصرنا الحالي”. ويشاطره في الرأي عديدون. وحين يتناقش الناس حول أكبر المشاكل التي تواجه الأجيال المستقبلية فإن التغيّر المناخي عادة ما يكون أول ما يخطر على الذهن.

ومن أسباب ذلك خوف العديد من الناس أن التغير المناخي قد يقودنا إلى انهيار حضاري كارثي — وقد يقودنا إلى نهاية النوع الإنساني حتى⁠o.

نرى أن هذه الفكرة صحيحة لحدٍّ ما. ونعتقد أن أقوى طريقة لمساعدة الأجيال المستقبلية هي بمنع حدوث كارثةٍ تُعجّل نهاية الحضارة، أو تمنع تواجد أي أجيال مستقبليةٍ حتى. فإذا نجت الحضارة، سنجد فرصًا لاحقةً للقضاء على مشاكل مثل الفقر والمرض؛ فيما أن أيّ تهديد وجودي سيمنع إحراز أي تقدم مماثل. (ونحاجج في مقال آخر حول أهمية تقليص المخاطر الوجودية).

ومع ذلك فإن التغير المناخي لا يزال يعتبر مشكلًا أساسيًّا (بغض النظر عن نظريات المؤامرة)، ويُستثمر في الموضوع عشرات أو حتى مئات مليارات الدولارات. ونعتقد أيضًا أن ثمة قضايا أخرى تشكّل خطورةً أكبر بكثير في إنهاء الحضارة.

ومع اعتقادنا أن التصدي للتغير المناخي هو سبيل مهم لمساعدة الأجيال المستقبلية، فإننا نعتقد أنه من المحتمل أن يكون تأثير كثير من الناس أكبر لو ركّزوا على قضايا أكثر تهميشًا وأكثر خطورة وجوديًّا.

(يمكنك الاطلاع أكثر على مخاطر التغير المناخي في ملفنا الكامل).

المخاطر البيولوجية: تهديد الأمراض المستقبلية

في سنة 2006، طلبت صحيفة الجارديان (The Guardian) عبر البريد قطعًا من الحمض النووي للجدري. ولو جُمعت إلى سلسلة كاملة ومن ثم أُرسلت إلى 10 أشخاص، فقد يصاب –حسب تقدير إحدى الدراسات- ما يربو على 2.2 مليون شخص خلال 180 يومًا – ومن المحتمل أن يقتل 660,000 إنسان- ما لم تتصدى له السلطات بسرعة عبر التطعيمات والحجر الصحي⁠p.

حقوق الصورة: صحيفة الجارديان

كتبنا لأول مرةٍ عن المخاطر المتعلقة بالجوائح الكارثية سنة 2016. وبعد سبع سنوات من المقال، وثلاث سنوات من ظهور كوفيد-19، ما زال يعترينا القلق.

لقد عطّل كوفيد-19 العالم، كما قتل –حتى اللحظة- أكثر من 10 ملايين إنسان. إلا أنّه بالإمكان تخيّل سيناريوهات أسوأ.

وقد نواجه في المستقبل أمراضًا أشدّ فتكًا من كوفيد-19 أو الجدري – سواءً إن كان ناتجًا عن تطورٍّ طبيعي، أو مُصنَّعًا من خلال الهندسة البيولوجية (وهذه التكنولوجيا تصير أرخص وأسهل وصولًا كل سنة).

ونحن نرى أن فرصة حدوث جائحة قاتلة لأكثر من 100 مليون شخصٍ خلال القرن القادم تبدو مماثلة أو حتى أكبر من خطر حدوث حرب نووية أو تغير مناخي جامح. فالقضية تُشكّل خطرًا مماثلًا في الحجم لكلٍّ من الأجيال الحالية والمستقبلية على أقل تقدير.

إلا أن الأخطار الناجمة عن الجوائح لا تزال لحدّ الساعة مهملةً أكثر من غيرها. إننا نُقدّر أن ثمة أكثر من 600 مليار دولار منفقة سنويًّا لمكافحة التغير المناخي، مقارنة بما يتراوح بين 1-10 مليار دولار من أجل الأمن البيولوجي لمعالجة أسوء احتمالات الجوائح.

علاوةً على ذلك، فثمة طرقًا تجعل مخاطر الجوائح أسوأ بكثير من غيرها. من الصعب أن نتصور كيف يمكن للحرب النووية أو التغيّر المناخي أن يقتل كل الناس حرفيًّا، وأن ينهي الحضارة تمامًا – إلا أن أسلحة بيولوجية بهذه القوة التدميرية تبدو ممكنةً، إن أُتيح لها الوقت الكافي.

وفي نفس الوقت، فثمة العديد من الأمور المباشرة –نسبيًّا- والتي يمكن إنجازها من أجل تحسين الأمن البيولوجي، مثل تحسين أنظمة ضبط المخابر، وتوفير مخزونات أكبر من معدات الوقاية الشخصية (PPE) وتطوير اختبارات تشخيصية أرخص لكشف الأمراض الجديدة بسرعة. وفي المجمل، فإننا نعتقد أن الأمن البيولوجي مشكلة أكثر إلحاحًا من التغير المناخي. وإننا نعتقد حاليًّا أن الأمن البيولوجي من أكبر مشاكل العالم إلحاحًا.

طالع المزيد حول سبل المساهمة في الأمن البيولوجي في ملفنا الكامل.

إلا أنّ ثمة مشاكلَ قد تكون أكثر أهمية، كما تبدو أكثر تهميشًا حتى.

الوقاية من الكوارث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي

شهدت البشرية حوالي عام 1800 واحدةً من أعمق التحولات في التاريخ: الثورة الصناعية⁠q.

وبالنظر نحو الأمام، فما التحول التالي بهذا النطاق – ما الحدث التاريخي المحوريّ التالي الذي سيشكّل ما سيحدث للأجيال المستقبلية القادمة؟ إذا تمكنّا من تحديد هذا التحول فقد يكون أهمّ مجالٍ للعمل عليه.

من بين المجالات المرشّحة نجد الهندسة البيولوجية — القدرة على إعادة التصميم الجذرية للكائنات البشرية — كما ناقشها يوفال نوح هراري في كتابه العاقل على سبيل المثال.

إلا أننا نعتقد أن ثمة قضية أكثر تهميشًا، وهي تتطور تطوّرًا أسرع بمراحل: الذكاء الاصطناعي.

تنفق مليارات الدولارات من أجل جعل الذكاء الاصطناعي أكثر قوةً، إلا أننا بالكاد نجد أي جهود مكرّسة للتأكد من سلامة استخدام تلك القدرات لصالح البشرية.

وهذا مهم لسببين رئيسَيْن.

أولاً، قابلية نظم الذكاء الاصطناعي القوية للتعرض لإساءة الاستخدام. فيمكن –على سبيل المثال- استخدامها لتطوير تقنيات جديدة وخطيرة، كتطوير أسلحة جديدة وأكثر قوة.

ثانيًا، لوجود خطر وقوع حوادث عند تفعيل أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة وقوية. وهذه القضية ملحة بسبب “مشكلة التوافق”. ولأن الموضوع شديد التعقيد، فإننا نقترح عليك –من أجل استكشافه جيّدًا- الاطلاع على ملفنا الكامل حول الذكاء الاصطناعي. وقبل ذلك، إليك نبذة سريعةً.

في ثمانينيات القرن الماضي، كان الشطرنج يعتبر مثالًا لما لا تستطيع الآلة فعله أبدًا. إلا أنه في سنة 1997، تعرّض بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف (Garry Kasparov) إلى الهزيمة من قبل البرنامج الحاسوبي ديب بلو (Deep Blue). وقد صارت الحواسيب منذ ذلك الوقت أحسن من البشر بمراحل في لعب الشطرنج.

وفي سنة 2004 استخدم خبيرا ذكاء اصطناعي قيادة المركبات كمثالٍ لوظيفة من الصعب جدًّا أتمتتها. إلا أننا اليوم نجد مركبات ذاتية القيادة تسير في الطرقات⁠r.

وفي أغسطس من عام 2021، قام فريق من خبراء الاستشراف بالتنبؤ بأن الحواسيب تحتاج إلى خمس سنوات لحلّ مسائل رياضية بمستوى منافسات المدارس الثانوية. وفي أقل من سنة من ذلك صنعت شركة جوجل نموذج ذكاء اصطناعي قادر على فعل ذلك تمامًا.

وفي نهاية سنة 2022، أصبحت شات جي بي تي (ChatGPT) أسرع منصات الويب نموًّا على الإطلاق.

هذه التطورات الحديثة صارت ممكنة بفضل التقدم في تقنيات تعلُّم الآلة. كنّا ملزمين في الماضي بإعطاء الحواسيب تعليمات مفصلة لكل مهمة تقريبًا. أما اليوم، فقد صار لدينا حواسيب قادرة على تعليم نفسها. فنفس الخوارزمية القادرة على لعب سبيس إنفيدرز (Space Invaders) تعلّمت وصارت قادرة على لعب قرابة خمسين لعبة آركيد (arcade games) أخرى، كما صارت قادرة على وصف الصور ومحادثة البشر والتحكم بذراع روبوت حقيقية.

وُجد مجال تعلّم الآلة قبل عدّة عقود، إلا أنّ الخوارزميات المطورة (خصوصًا ضمن تقنيات التعلم العميق)، والمعالجات السريعة، ومجموعات البيانات الكبيرة، والاستثمارات الضخمة من قبل شركات مثل جوجل ومايكروسوفت (Microsoft) قادتنا لتحقيق تطورات مذهلة أسرع من المتوقع بكثير.

برنامج ديب مايند التابع لجوجل يلعب لعبة سبايس إنفايدر بأداء يفوق البشر.

ونتيجةً لذلك يعتقد العديد من الخبراء أن وجود ذكاء اصطناعي مماثل لذكاء البشر صار ممكنًا خلال حياتنا. وإليك نتيجة استبيان أجري سنة 2022 على مجموعة من أفضل باحثي الذكاء الاصطناعي⁠[^21]:

وسيط الإجاباتمتوسط الإجاباتالانحراف المعياري
فرصة بنسبة 10% لوصول الذكاء الآلي لمستوى البشر2032204240 سنة
فرصة بنسبة 50% لوصول الذكاء الآلي لمستوى البشر20522127530 سنة
فرصة بنسبة 90% لوصول الذكاء الآلي لمستوى البشر2086540640,000 سنة

يمكنك أن ترى أن نصف الخبراء يرون احتمالية بنسبة 50% (أو أكثر) لحدوث ذكاء اصطناعي بمستوى البشر سنة 2050، أي خلال 30 سنة في المستقبل. ونعترف أنهم غير متيقنين تمامًا – إلا أن عدم اليقين يعني أيضًا احتمالية أن يحدث ذلك أسرع من المتوقع بدلًا من أن يحدث أبطأ منه. ويمكنك قراءة المزيد حول الموعد المتوقع لوجود ذكاء اصطناعي بمستوى البشر في ملفنا الكامل حول الذكاء الاصطناعي.

لماذا نرى ذلك مهما؟ الجوريلا أسرع منا، وأقوى منا، ولها عضة أقوى بكثير من عضتنا. إلا أن عدد الجوريلات في البريّة لا يتجاوز 100 ألف، مقارنة بسبع مليارات إنسان، ومصيرها محكوم بأيدينا⁠s. والسبب الأكبر لهذا الوضع هو فارق الذكاء.

أما الحواسيب فليست أذكى منّا حاليًّا إلا في جوانب محدودة (مثل ممارسة لعبة ستاركرافت)، ومع ذلك فإنها تغيّر اقتصاداتنا. لكن ما الذي سيحدث حين تصير الحواسيب أذكى منّا من جميع الجوانب تقريبًا، بقدر فارق الذكاء بيننا وبين الجوريلا؟

قد يكون تحوّلًا شديد الإيجابية، أو شديد السلبيّة. فمن ناحية ما، فمثلما قامت الثورة الصناعية بأتمتة العمالة اليدوية، فقد تتمكن ثورة الذكاء الاصطناعي من أتمتة العمالة الفكرية، مطلقةً العنان لرفاه غير مسبوقٍ ووصول أكبر للموارد المادية.

إلا أنّنا لا يمكن أن نضمن إبقاء سيطرتنا على أنظمة أذكى منا – فقد تكون أمهر منّا في الاستراتيجيات، وأكثر إقناعًا وأحسن في حل المشاكل. ولذا فمن المهم أن نحرص على أن يشاركنا الذكاء الاصطناعي أهدافنا.

إلا أن هذا ليس بالسهولة المتوقعة. فلا أحد يعرف طريقة برمجة الحواسيب على السلوكات الأخلاقية. وتعرف هذه القضية في علوم الحاسوب بمشكلة التوافق.

قد يكون حلّ مشكلة التوافق شديد الأهمية، إلا أن عدد الناس الذين يحاولون حلّها حاليًّا قليل جدًّا.

ونُقدّر أن عدد الباحثين العاملين بدوام كاملٍ مباشرة على مشكلة التوافق يصل قرابة 300 باحث، أي أنها مشكلة مهملة بأكثر من 10 مراتٍ مقارنة بمشكلة الأمن البيولوجي.

وفي نفس الوقت نجد زخمًا كبيرًا في هذه الأعمال. فقد اكتسب هذا المجال دعمًا أكاديميًّا وصناعيًّا كبيرًا⁠t، فنجد على سبيل المثال ستيفن هوكينج (Stephen Hawking)، وستيوارت راسل (Stuart Russell) (الذي كتب واحدًا من أشهر الكتب التعليمية في مجال الذكاء الاصطناعي) وجيوفري هينتون (Geoffrey Hinton) (رائد الذكاء الاصطناعي). وإذا لم تكن مناسبًا لإجراء البحوث التقنية بنفسك، فبإمكانك المساهمة من خلال طرق أخرى – فيمكنك على سبيل المثال العمل كمدير أبحاث أو كمساعد، أو التبرع وحشد التمويل لهذه الأبحاث.

وستكون هذه قضية شائكةً بالنسبة للحكومات أيضًا. فسياسيات الذكاء الاصطناعي صارت مجالًا مهمًّا، إلا أن صانعي القرار لا يركّزون إلّا على المشاكل قصيرة المدى من قبيل طرق تنظيم السيارات ذاتية القيادة وخسارة الوظائف، بدلًا من الاهتمام بالقضايا الجوهرية طويلة المدى (مثل مستقبل الحضارة).

يمكنك أن تجد سبل المساهمة في الموضوع في ملفنا الكامل.

ومن ضمن كل القضايا التي غطيناها حتى الآن، يعدّ تقليص المخاطر الناتجة عن الذكاء الاصطناعي من أهم القضايا، إلا أنه من أكثرها تهميشًا أيضًا. وبغض النظر عن صعوبة حل هذه المشكلة، إلا أننا نعتقد أنها من ضمن أكثر المشاكل تأثيرًا على العقود القادمة.

والخلوص إلى هذه النتيجة كان صادمًا لنا، إلا أنّ كل الأدلة تقودنا إلى هذه النقطة. ونحن ننفق وقتًا أطول هذه الأيام في البحث عن تعلم الآلة أكثر مما ننفقه على ناموسيات الملاريا.

طالع المزيد حول سبب اعتقادنا أن وجوب أن يكون تقليص مخاطر الانقراض أهم أولويات البشر.

التعامل مع الغموض و”الانتقال إلى المابعد”

لقد تغيرت وجهات نظرنا جذريًّا خلال السنوات الاثني عشرة الأخيرة، وقد تتغير مجددًا بسهولة. فقد نلتزم بالعمل على الذكاء الاصطناعي أو الأمن البيولوجي، لكن هل سنكتشف أمرًا أفضل منهما خلال السنوات المقبلة؟ وما الذي يترتب من هذا الغموض بخصوص ما يجب التركيز عليه؟

أبحاث الأولويات العالمية

إذا كنت محتارًا حول أيّ مشاكل العالم أكثر إلحاحًا، فإليك الجواب: “نحتاج إلى المزيد من الأبحاث”. فمن ضمن مليارات الدولارات التي تنفق سنويًّا لجعل العالم أفضل لا يذهب منها للأبحاث المحددة لكيفية استغلال تلك الموارد بأعلى فعالية إلا النزر اليسير – وهو ما نسميه “أبحاث الأولويات العالمية”.

وكما رأينا سابقًا، ففعالية بعض المقاربات أحسن من غيرها بكثير. ولذا فإن ميدان البحث هذا مهم جدًّا.

وقد يعني العمل في هذا المجال أن تكون موظفًا في منظمات مثل أوبن فيلانثروبي (Open Philanthropy)، ومعهد جلوبال بريوريتيز (Global Priorities Institute) ومعهد ريثينك بريوريتيز (Rethink Priorities)، أو في مجال الاقتصاديات الأكاديمي ومراكز الأبحاث الكبرى (Think Tanks)، أو في أماكن أخرى. اقرأ المزيد حيال كيفية المساهمة بهذا المجال في ملفنا الكامل عن أبحاث الأولويات العالمية.

التدخلات واسعة النطاق، مثل التحسينات السياسية

الاستراتيجية الثانية هي العمل على مشاكل تساعدنا في حل العديد من المشاكل الأخرى. وهذا ما نسميه “التدخلات واسعة النطاق”.

فعلى سبيل المثال، لو كان لدينا حكومات أكثر تنويرًا فإنها ستساعدنا على حل الكثير من المشاكل التي تواجه الأجيال القادمة. وبإمكان حكومة الولايات المتحدة على وجه الخصوص أن تلعب دورًا محوريًّا في قضايا مثل التغير المناخي، وسياسات الذكاء الاصطناعي، والأمن البيولوجي وغيرها من التحديات التي لا نعرف عنها شيئًا حتى اللحظة. ولذا فإن حكم الولايات المتحدة أمرٌ في غاية الأهمية (إلا إن لم يكن مهمّشًا ولا قابلًا للتتبع).

ونشاطك السياسي في مجتمعك المحلي قد يكون له تأثير على صناع القرار بواشنطن. وقد قمنا بتحليل أبسط مشاركة سياسية –التصويت- ووجدنا أنها قد تكون قيّمة حقًّا.

وفي الجهة الأخرى نجد أن حكم الولايات المتحدة موضوع يجذب اهتمامًا ضخمًا، مما يجعل تحسينه أمرًا غايةً في الصعوبة.

وعلى العموم فإننا نفضل القضايا الأكثر تهميشًا وذات التأثير الأكثر استهدافا للأجيال القادمة. على سبيل المثال، فقد أظهرت دراسة مذهلة قام بها فيليب تيتلوك (Philip Tetlock) أن بعض الفِرَق وبعض المنهجيات أفضل بكثير في التنبؤ بالأحداث الجيوبوليتيكية من غيرها. فلو يُزوّد صناع القرار في المجتمع بالمزيد من التنبؤات الدقيقة، فإن هذا سيساعدهم في التعامل مع الأزمات المستقبلية، مهما كان شكلها.

طالع المزيد حول طرق المساهمة في تحسين صناعة القرار في الملف الكامل.

وعلى أية حال، فإن صنف “التدخلات واسعة النطاق” من المجالات التي يشوبها الغموض عندنا، ولذا فإننا نتمنى رؤية المزيد من الأبحاث فيها.

بناء القدرات والترويج للإيثار الفعال

إذا كنت محتارًا حول أيّ المشاكل المستقبلية أكثر إلحاحًا، فثمة استراتيجية ثالثة وهي ببساطة ادخار الأموال أو استثمارها في رأس مالك المهني، وبهذا تصير في موقع مناسب لفعل الخير حين تكتسب ما يكفي من المعلومات.

وعلى أية حال، وبدلًا من الاستثمار الذاتي، قد يكون من الأحسن أن تستثمر في مجموعة من الناس ليفعلوا الخير.

وفي مقال سابق اطلعنا على جيفينج وات وي كان (Giving What We Can - GWWC)، وهي منظمة خيرية تؤسس مجتمعات من الناس يتبرعون بنسبة 10% من مدخولهم لأفضل المؤسسات الخيرية من حيث فعالية التكلفة⁠u. فكلّ دولار أُنفق على منظمة (GWWC) صار يولّد لنا بالفعل 9 دولاراتٍ كتبرعات لأفضل المؤسسات الخيرية، وتعهُّدات بمبلغ إجمالي يزيد عن 3 مليارات دولار.

تمكنت هذه المؤسسة عبر بناء المجتمعات من حشد أموال أكبر بكثير مما كان بإمكان المؤسسين التبرع به بأنفسهم – ولذا فقد ضاعفوا تأثيرهم.

وأكثر من ذلك، فإن الأعضاء يتبرعون لأكثر المؤسسات الخيرية فعاليةً في أي وقت. فإذا تغيّرت وضعية المؤسسات، فإن مصبّ التبرعات سيتغير أيضًا (إلى درجة ما على الأقل).

وهذه المرونة تجعل تأثيرهم عبر الزمن أكبر بأضعاف.

هذه المنظمة الخيرية هي مثال واحد من عديد المشاريع في مجتمع الإيثار الفعال، وهو مجتمع من الناس الساعين لتحديد أفضل السبل لمساعدة الآخرين والتصرّف وفقًا لذلك. (طالع ملفنا الكامل حول الترويج للإيثار الفعال).

ومشروع 80,000 ساعة بحد ذاته أحد هذه المشاريع.

تقديم أفضل النصائح للحياة المهنية لا يبدو من أكثر المشكلات التي نتخيلها إلحاحًا. لكن العديد من أكثر الشباب موهبةً في العالم يرغبون في فعل الخير إلا أنهم يفتقرون للنصيحة الجيدة لطرق فعل ذلك. هذا يعني أن الآلاف منهم كل سنة، يفقدون مقدارًا كبيرًا من التأثير الذين يمكن أن يحدثوه.

وقد كان بإمكاننا أن نعمل بأنفسنا على قضايا مثل الذكاء الاصطناعي. إلا أننا بدلًا من ذلك، وبتوفير توجيه أحسن، صار بإمكاننا مساعدة آلاف الأشخاص الآخرين في إيجاد وظائف عالية التأثير. وبهذا نتمنى أن يكون تأثيرنا (إن أحسنا التوجيه) مضاعفًا آلاف المرّات لتأثيرنا الشخصي.

وأكثر من ذلك، فإننا إذا اكتشفنا مسارات مهنية أفضل من التي نعرفها، فإننا سنتحول للترويج لها. وتمامًا مثل حالة جمعية جيفينج وات وي كان، فإن هذه المرونة تمنحنا تأثيرًا أكبر عبر الزمن.

ونسمي هذه الاستراتيجيات غير المباشرة التي غطيناها –أبحاث الأولويات العالمية، والتدخلات واسعة النطاق والترويج للإيثار الفعال- “الانتقال إلى المابعد”-، لأنها تشتغل على مستوى يتجاوز المشاكل التي تبدو مستعجلة.

أسوأ ما في الانتقال إلى المابعد هو صعوبة التحقق من فعالية جهودك. وأفضل ما في الأمر أنها مشاكل مهمّشة غالبًا، لأن الناس يفضلون عادةً التعامل مع فرص ملموسة بدلًا من الفرص المجرّدة، إذ أنها تمنحك تأثيرًا أقوى في وجه الغموض.

كيف تكتشف ما عليك أنت التركيز عليه؟

يمكنك الاطلاع على قائمتنا لأكثر مشاكل العالم إلحاحًا، وهي تتضمن العديد من المشاكل التي لم نذكرها في هذه الصفحة، من هنا:

القائمة

إلا أن هذه قائمتنا نحن، وما يهم فعلًا بخصوص مسارك المهني هو قائمتك الشخصية.

يعتمد تقييم المشاكل اعتمادًا كبيرًا على أحكام قيَمِية وعلى أسئلة تجريبية قابلة للنقاش، وقد لا تشاركنا نفس الأجوبة. وإننا نناقش احتمالات خطئنا في قسم الأسئلة الشائعة في صفحة ملفات مشاكلنا.

التوافق الشخصي مهم أيضًا، وكذلك الفرص الفعلية التي يمكنك إيجادها. فلا نعتقد أن على الجميع العمل على المشكلة الأكثر إلحاحًا. فإذا كانت إحدى المجالات مناسبةً لك، فبإمكانك ممارسة تأثير أعلى بعشرة أضعاف ما تمارسه في مجال لا يُحفّزك. ولذا فإن بإمكان الأمر تغيير ترتيبك الشخصي بكل سهولة.

وتذكّر أن ثمة طرقًا عديدة للمساعدة في حل كل مشكل، ولذا فإنه من السهل –أكثر مما يبدو- أن تجد عملًا تستمتع به ويساعد في حلّ مشاكل لم تفكّر حتى الآن في العمل عليها. بالإضافة لذلك، فإنه من السهل تكوين شغف جديد أكثر مما يعتقده معظم الناس.

وبغض النظر عن كل الغموض، فإن اختيارك للمشكل قد يكون العامل الأكبر الوحيد المحدد لمقدار تأثيرك.

وإذا رتّبنا المشاكل العالمية حسب الأكثر إلحاحًا، فإننا نتوقع بالبداهة أن تبدو بهذا الشكل:

أي أن بعض المشاكل أكثر إلحاحًا من غيرها، إلا أن معظمها مهم.

إلا أننا وجدنا في الواقع أن ترتيبها يكون بهذا الشكل:

بعض المشاكل لها تأثير أكبر بكثير من غيرها، لأنها قد تختلف بما مقداره 10 إلى 100 ضعف في مدى كبرها، ومدى تهميشها، وقابليتها للحل، وكذا في درجة توافقك الذاتي⁠v. ولذا فإن اتخاذ القرار الصحيح قد يعني تحقيقك لتأثير مضاعف 100 ضعف خلال مسيرتك المهنية.

وإذا كان بإمكاننا استخلاص درس واحد من كل ما سبق، فهو التالي: إذا كنت تريد فعل الخير في العالم، فإنه من المجدي أن تستقطع وقتًا للاطلاع على مختلف المشاكل العالمية، وسبل المساهمة فيها. الأمر يستغرق وقتًا، وهناك الكثير من الأمور لتعلّمها، إلا أننا لا نجد أمرًا أكثر أهمية أو إثارة للاهتمام.

طبق هذا على مسيرتك المهنية

لست بحاجة للتعرف على أية مشكلة عالمية ستركز منذ بداية مسيرتك المهنية. فأهم أولوياتك في بداياتك المبكرة هي استكشاف ما تتقنه، وبناء مهارات قيّمة. فمن المعتاد ألا تواجه المشاكل التي تراها أكثر إلحاحًا لعدة سنوات.

إلا أنه من المفيد على الأقل امتلاك فكرة عامة حول المشاكل التي تودّ المساهمة في حلها مستقبلًا، لأن لهذا تأثيرًا جذريًّا في اختيار أيّ المهارات يفيدك اكتسابها. فعلى سبيل المثال، إذا كنت تعتقد أن تقليل مخاطر الذكاء الاصطناعي واحدة من أهم مشكلاتك، فإن ذلك يجعلك تسعى لاكتساب مهارات وخبرات مختلفة عما كنت لتفعله لو اخترت الصحة العالمية (إلا أن ثمة نوعًا من المهارات المفيدة في الحالتين مثل الإدارة). فحتى لو كنت لا تزال في بداية مسيرتك المهنية، فإننا نقترح عليك تخصيص بضعة أيام على الأقل للتفكير في هذا الأمر.

إليك تمرينًا:

  1. باستعمال المواد أعلاه، اكتب قائمة من ثلاث مشاكل عالمية تراها تحتاج المزيد من الناس العاملين فيها. قد يكون جوابك مختلفًا بناء على قيمك وافتراضاتك التجريبية.

    لا تهتم كثيرًا بخصوص توافقك الذاتي – فبالرغم من كونه أمرًا مهمًّا، فإنه من الصعب تقييم مدى توافقك مع دورٍ من الأدوار، ولذا فقد خصصنا مقالا كاملا في الموضوع لاحقًا في هذا الدليل. أما الآن فركّز على تكوين أحسن صورة لما يحتاجه العالم.

  2. ما أكثر الأشياء التي ينتابك حولها الغموض بخصوص قائمتك؟ كيف يمكنك الإجابة عن هذه الأسئلة؟ (على سبيل المثال: هل هناك شيء يمكنك قراءته؟ أو أحدٌ يمكنك مناقشته؟).

كتذكير، يمكنك مطالعة قائمة المجالات التي راجعناها هنا. اضغط على كل ملف لتعلم المزيد حول كل قضية. كما يمكنك الاطلاع على قائمة مواضيعنا لترى كل ما أنتجناه حول أي قضية.

قائمة المشاكل هذه ليست إلا نقطة بداية. والخطوة التالية هي إيجاد خيارات وظائف فعليّة والتي يمكنك من خلالها إحداث فارق في ذلك المجال (وهو ما سنراه في المقال اللاحق)، ومن ثمّ عليك إيجاد خيار بتوافق ذاتي عال (وهو ما سنغطيه لاحقًا أيضًا).


المنشور الأصلي: Benjamin Todd (2017) The world’s biggest problems and why they’re not what first comes to mind, 80,000 Hours, مارس (آخر تحديث: مايو 2023).

ترجمة: بوشن مصطفى.