ملاحظات حول الإيثار الفعّال
ملاحظات أولية طويلة حول الإيثار الفعّال(EA)؛ كتبتها لتساعدني على استكناه العديد من الأسئلة: ما الذي أحبه وأعتبره مهمًا في الإيثار الفعّال؟ ولم أجد العقلية غريبة عني؟ لماذا لست مؤثرا فعّالا؟ ولأنطلق في التفكير حول: كيف تبدو بدائل الإيثار الفعّال؟ لا أتجه بهذه الملاحظات إلى المؤثرين الفعّالين، ولكن قد تكون مثيرة لاهتمام مناصري الإيثار الفعال. هذا وأرحب بالتعليقات والتصحيحات المدروسة والمستندة إلى معلومات (خاصة التصحيحات المفصلة والمحددة!) - انظر منطقة التعليق في الأسفل.
«استخدام الأدلة والمنطق لمعرفة كيفية إفادة الآخرين قدر الإمكان، والتحرك وفقًا لذلك»: هذه هي الفكرة التي تقوم على أساسها فلسفة وحركة الإيثار الفعّال (EA)a. تحولت هذه الفكرة خلال العقدين الماضيين من كونها فكرة يتجادلها بعض الفلاسفة الأخلاقيين إلى أن تصير جزءًا أساسيًا من فلسفة حياة الآلاف أو ربما عشرات الآلاف من الأشخاص، ومن ضمنهم العديد من أصحاب القوّة والثروة في العالم. هذه هي ملاحظاتي العملية الأوليّة حول الإيثار الفعّال. الملاحظات طويلة ومكتوبة بسرعة: مجرد تفكير أوليٌّ غير منظم، وليست مقالةً مصقولةً.
كتبت هذه الملاحظات لعدّة أسباب. أحدها اجتماعي بحت: للعديد من أصدقائي آراء قوية حول الإيثار الفعّال (بعضهم يدعمه، وبعضهم يعارضه، وآخرون أكثر حيادًا). سبب آخر هو الشعور بأنّ الإيثار الفعّال مهمٌّ كحركة اجتماعية وربما كمجموعة من الأفكار. فتأثيره الكبير على العديد من الشبان الأذكياء والمثاليّين له أهمّية بارزة، وأصحاب العشرينات يتفاعلون بقوةٍ مع الإيثار الفعّال. حيث يقول العديد منهم بأنهم قاموا بتغييرات جذرية في حيواتهم: تغيير المسار المهني، والسلوكات اليومية، والالتزام بتقديم نسبة كبيرة من الدخل للجمعيات الخيرية التي يصفونها بأنها «فعّالة». يشترك المؤثرون الفعّالونb أيضًا في استخدام الكثير من اللّغة غير المألوفة ورؤيةٍ غير تقليديةٍ للعالم، الكثير منها مأخوذ من اقتصاد الرّفاه والفلسفة الأخلاقية.
قد يكون من السّهل تجاوز ذلك باعتباره «مجرد» صيحة أو نتيجة للزيادة (الطوفانية) في تمويل الإيثار الفعّال، ولكنّي لا أقتنع بهذا الرأي. العديد من المؤثرين الفعّالين هم أشخاص صادقون للغاية، ووجدوا اقتناعًا هائلًا ومعنى كبيرًا في الإيثار الفعّال. إنه يقوم بشيء مهم للغاية بالنسبة لهم، شيء يتجاوز بكثير كونه مجرّد صيحة عابرة.
عندما علمت أول مرة بالإيثار الفعّال، كانت استجابتي الفطرية وغير المدروسة سلبيةً إلى حد ما. كثيرًا ما كنت أمزح بأنني مؤثر غير فعّال، أو مؤثر فوضوي. أحب أن أصف نفسي بأني «لانفعيٌّ متعدد النفع» (mutilitarian)، حيث أستخدم مفهوم بوذية الزِن (mu) كوظيفتي النّفعية (أي رفض للفكرة). ومع ذلك، يتضح عند التحليل العميق أن هذا النبذ غير مبرر.
في عام 2011، خضع صديق لي وهو مؤثر فعّال لجراحة تبرُّع بكلية لشخص غريب. فشرح لي أنه:
اطّلعت على بعض الإحصائيات حول مدى سلامة التبرع، وقد غيّرت رؤيتي تمامًا. فكرت في أنّ مخاطر الموت خلال الجراحة بنسبة 1/3,000 تشبه التّضحية بنفسك لإنقاذ 3,000 شخص. أريد أن أكون هذا النّوع من الأشخاص الذين يقومون بهذا، ويكفي أن تتبع هذه الخطوات القليلة.
لدي أصدقاء مؤثرون فعّالون يتبرعون بجزء كبير من مداخيلهم لقضايا خيرية. في بعض الحالات، يتبرعون بكل مداخيلهم عدا عتبة قليلة لحدٍّ ما (بمعايير العالم المتقدم والغني) مثل 30,000 دولار. يبدو في بعض الحالات أنه من الممكن أن تكون تبرعاتهم الشخصية سببًا في إنقاذ العديد من الأرواح، ومساعدة العديد من الأشخاص في الخروج من حالة الفقر، ومنع العديد من الأمراض المنهكة، وغالباً في بعض أفقر الأماكن والأقل خدمة في العالم. إن بعض هؤلاء الأصدقاء قد ساهموا مباشرةً في إنقاذ العديد من الأرواح. هذه الجملة استثنائية رغم بساطتها، لذلك سأكررها: لقد ساهموا مباشرةً في إنقاذ العديد من الأرواح.
أنا مذهول تمامًا من كلّ هذا. وأشعر ببعض الخجل من نكاتي عن الإيثار غير الفعّال، وأنا ممتن لأصدقائي المؤثرين الفعّالين الذين تحمّلوني. لقد حاولت أن أعيش حياة ترتبط فيها مهاراتي واهتماماتي الشخصية بأمور جيدة للعالم، وآمل أنّني قد قمت بفعل بعض الخير الحقيقي، مع الاستمتاع بحياتي في نفس الوقت. ومع ذلك، لم أنقذ أي روحٍ مباشرةً على حدّ علمي. لا أراني أستطيع التبرّع بكلية: كون ذلك سينتهك شعوري بالسلامة الجسدية إلى حد كبير. من الناحية الشخصية، أحب صدق ونقاء قلوب أصدقائي المؤثرين الفعّالين وأصدقائي القريبين منه. أشعر بالنقاء بعد قضاء وقت معهم، حيث غالبًا ما أكون أكثر صدقًا، وفي بعض الأحيان أكون ألطف أو أكثر تفتحًا للأفكار. كل هذه أمور جيّدةٌ جدًا.
لذا، ما يأتي هو مجموعة من الملاحظات حول الإيثار الفعّال. وهي تقدير في جزءٍ منها: لنقد الإيثار الفعّال عليك أيضًا فهم بعض جوانبه الجيدة، وهناك الكثير ممّا يمكن أن تتعلمه التيارات الأخرى منه. ولكن سأقوم أيضًا بالتفصيل ومحاولة فهم ما يزعجني في الإيثار الفعّال، وما أعتقد أنّه خاطئ، وكيف يمكن تعديل الإيثار الفعّال إيجابيًّا.
تفتقد هذه الملاحظات سرديةً شخصيةً مباشرةً عن الأثر الإيجابي الذي يحققه الإيثار الفعّال. لديّ بعض الفهم المستند لذلك من خلال أصدقائي، ولكنّي أتمنّى لو كنت على دراية أكبر، فمن غير الممكن فعليًا تقدير الإيثار الفعّال بشكل حقيقي دون هذا الجانب. شباك النوم للوقاية من الملاريا والتّحويلات النّقدية المباشرة والتخلص من الدّيدان (انتزاعها من على الحيوانات لتجنب البراغيث والقراد) وما إلى ذلك ليست أفكارًا تجريديةً: هي في الواقع حدث عالمي ضخم، يحدث فارقًا هائلًا في حياة العديد من الناس، وهذا مفقود هنا لجهلي، لذا حاول أن تتذكر هذه الحقيقة أثناء قراءتك؛ لقد حاولت القيام بذلك أثناء كتابتي.
انتباه: أقوم بكثير من التّعميمات حول «ما يقوم به الإيثار الفعّال». ولكن الإيثار الفعّال ليس واحدًا بل هو متنوّع. يجعل ذلك الكتابة صعبة دون إدخال العديد من التّوضيحات. يمكنني القيام بذلك عن طريق قول «معظم المؤثرين الفعّالين يعتقدون»، أو الاقتباس عن مؤثرين فعّالين رائدين، وهلمّ جرًّا. في المقام الأول، لقد اخترت استخدام لغة عامّة مع الفهم الضِّمني أنّ هناك في كثير من الأحيان مؤثرين فعّالين يختلفون مع تلك النّقطة خاصّة. ومع ذلك، حاولت التنبيه حين يكون هناك اختلاف واسع في الرّأي في مجتمع الإيثار الفعال حول نقطة معيّنة.
بدأت الملاحظات بوصف مستخدَم على نطاق واسع للإيثار الفعّال، المأخوذ من الفيلسوف ويل ماكاسكيل (Will MacAskill)، أحد مؤسسي الإيثار الفعّال: «استخدام الأدلة والمنطق لمعرفة كيفية إفادة الآخرين قدر الإمكان، والتصرف وفقا لذلك». في التطبيق العملي، غالبًا ما سمعت هذا الوصف يُختصر على سبيل المثال إلى: «استخدام الأدلة والعقل لفعل أكبر قدر ممكن من الخير». عادةً ما أستخدم النسخة الأخيرة كاختصار لما يتعلق بالإيثار الفعّال، ولكن مع الأخذ في اعتباري الوصف الأطول. تنبيه حول هذين الوصفين: لاحظ أنّهما يعتمدان على التكامل، «إفادة الآخرين قدر الإمكان»، «فعل أكبر قدر ممكن من الخير». في الواقع، يدعو العديد من المؤثرين الفعّالين إلى التراجع إلى حد كبير عن هذا الإطار التّكاملي. ونتيجة لذلك، يبدو من المنطقي التفكير في «قوة» مختلفة للإيثار الفعّال، حسب مدى تقبّل الشّخص لهذا النّهج التكاملي (أو عدمه). سنعود إلى هذا الأمر لأنه قضية هامّة لم يحسمها بعد مجتمع الإيثار الفعّال. وعند استخدم إطار «أكبر قدر ممكن من الخير» فذلك مع التحفّظ الضّمني على أن العديد من المؤثرين الفعّالين يتراجعون عن «الأكبر» في الممارسة العملية.
الإيثار الفعّال كمصدر لابتكار أخلاقي
لقد ذكرت أعلاه صديقي الذي تبرّع بكلية في عام 2011.c وقد عبّر الفيلسوف الأخلاقي بيتر سينغر، أحد مبتكري العديد من الأفكار في الإيثار الفعّال، عن إعجابه1 عندما علم (في عام 2004) قصة زيل كرافينسكي (Zell Kravinsky)، مستثمر عقارات ثري تبرع تقريباً بكامل ثروته البالغة 45 مليون دولار، وعاش بمبلغ 60 ألف دولار في السنة. لكن هناك ما هو أكثر إثارة، وسيبدو الأمر للوهلة الأولى مشابهًا لحد كبير لقصة تبرّع صديقي بكليته أعلاه، ولكن هناك فارق مهم:
لم يعتقد بعد أنه قد قام بما يكفي لمساعدة الآخرين، لذا قام بالترتيب مع أحد المستشفيات القريبة للتبرع بكليته لشخص غريب… مستشهدًا بالدّراسات العلمية التي تظهر أن مخاطر الوفاة نتيجة للتّبرع بالكلية هي فقط 1 في 4,000، يقول إن عدم التّبرع كان سيعني أنه قد قيَّم حياته بمقدار 4,000 مرة قيمة حياة شخص غريب، وهو تقدير يجده غير مبرّر تمامًا.
رغم أن سخاء صديقي كان استثنائيًا، هناك شيء آخر يحدث، فعل كرافينسكي هو فعل من الخيال الأخلاقي، للتفكير حتى في التبرع بالكلية، ومن ثم القناعة الأخلاقية لاتخاذ القرار بفعله. إنه فعل مذهل للابتكار الأخلاقي: كان شخص ما (على الأرجح كرافينسكي) أول من تخيّل القيام بذلك ومن ثمّ فعله حقًّا. ثم قامت هذه التشريعات الأخلاقية بإلهام آخرين لفعل المثل. في الواقع، قامت بتوسيع نطاق التجربة الأخلاقية البشرية، أين يمكن للآخرين أن يتعلّموا منها ويقلّدوها. بهذا المعنى، يمكن اعتبار شخص مثل كرافينسكي رائدًا أخلاقيًّا أو رائدًا نفسيًّاd، يبتكر أشكالًا جديدة من التجارب الأخلاقية.
بالطبع، هؤلاء الروّاد الأخلاقيون لا يأتون فقط من الإيثار الفعّال. بل أبعد من ذلك! إنهم في أساس حضارتنا. فالعديد من أبطالي الشخصيّين هم روّاد أخلاقيّون، بما في ذلك صاحب «موعظة على الجبل»e وحركة إلغاء العبودية وحركة المناداة بحق المرأة في الاقتراع والنسوية، ومارتن لوثر كينغ وغيره من قادة حركة حقوق الإنسان. جميعهم (وغيرهم الكثير) شاركوا في أعمال من الخيال الأخلاقي قامت بتوسيع نطاق التّجربة الأخلاقيّة المتاحة لبقيّتنا لنقلّدها. قد لا نتّفق دائمًا معهم: على سبيل المثال، لا أعرف ما إذا كنت متّفقًا مع آراء بيتر سينغر حول حقوق الحيوانات، قد يكون سينغر مخطئًا في ذلك، ولكنّه مفيد كفعل من الابتكار الأخلاقي الذي يُوسِّع نطاق إمكانياتنا للتّجربة الأخلاقية.
إحدى الأشياء المثيرة حول الإيثار الفعّال هي أنّه قد شجّع على ظهور العديد من الروّاد الأخلاقيين: أشخاص مستعدّون لإعادة التّفكير في الأسئلة الأخلاقية الأساسية، و(في بعض الأحيان) لتوسيع نطاق تجربتنا الأخلاقية. الأسئلة التي طرحوها بشكل جاد (وفي بعض الحالات، عملوا بالإجابات): «ماذا لو كانت حياة الحيوانات تهمّ حقًا؟»، «ماذا لو كانت حياة شخص على الجهة الأخرى من العالم تهمّ بنفس قدر غرق طفل أمام عينيك؟»، «ماذا لو كانت ‘حياة’ آلة ذكية تهم بنفس قدر حياة إنسان؟»، «كيف يجب أن نقدر حياة إنسان يعيش مليون عام من الآن؟» من خلال التفكير الجاد في هذه الأسئلة، يمكنهم توسيع أفقنا الأخلاقي.
هناك جانب مظلم للابتكار الأخلاقي، كما أشارت في وقت لاحق الفيلسوفة السياسية هانا آرندت في كتابها «أيخمان في القدس»، وهو سرد لمحاكمة مجرم الحرب النازي أدولف أيخمان. في سردية آرندت، كان النازيون أيضًا (بطريقة ما) روّادًا أخلاقيين، يبتكرون أنواعًا جديدة من الجريمة، التي زادت بالتالي من نطاق الجريمة في المستقبل المرجح:
لا شيء أكثر ضرراً بفهم هذه الجرائم الجديدة أو يقف في طريق ظهور قانون جنائي دولي يمكن أن يتعامل معها، من الوهم الشائع بأنّ جريمة القتل وجريمة الإبادة هما في جوهرهما نفس الجريمة، وأن الأخيرة ليست بذلك «جريمة جديدة بشكل صريح». النقطة الرئيسية في الأخيرة هي أنّه تم كسر نظام مختلف تمامًا وانتهك مجتمع مختلف تمامًا… إنّه في طبيعة الأمور البشرية أن كل فعل قد ظهر لأول مرة وتم تسجيله في تاريخ البشرية يبقى مع البشرية كإمكانية بعد أن يكون واقعًا من الماضي. ولم تمتلك أي عقوبة أبدًا قدرة كافية على ردع ارتكاب الجرائم، بل بمجرد أن يظهر نوع معيَّنٌ من الجريمة للمرة الأولى، يكون ظهوره مجددا مرجّحًا أكثر مما قد كان في ظهوره الأول.
إنّ الاستدلال الأخلاقي، إذا تم التفكير فيه بجدية وتم التّصرف بناءً على ذلك، يشكل قلقًا بالغ الأهمية، جزئياً لأن هناك خطرًا من ارتكاب أخطاء فظيعة. مثال النازي هو مبالغ فيه: أولاً، يصعب عليّ أن أصدّق أن مبتكري أفكار النازية لم يدركوا أنّ هذه الأفعّال كانت شرّيرة لحدّ بعيد. ولكنّ مثالًا يومياً أكثر، والذي يجب أن يجعل أي فلسفة تتردد، هو وجود أشخاص متغطرسين بشكل زائد يتصرفون فيما «يعلمون» أنه قضية جيدة، ولكن في الواقع يقومون بفعل الأذى. أنا متحفّظ حيال الابتكار الأخلاقي للإيثار الفعّال. ولكنه قد يكون حقلًا مُلغَّما، شيء يجب التحفظ حياله أيضًا.
جودو الإيثار الفعّال: إن أي انتقاد قوي لأي استراتيجية «تحقيق أكبر قدر ممكن من الخير» يعزز الإيثار الفعّال، ولا يضعفه
أحد أكثر عبارات «الهجوم» الشائعة على الإيثار الفعّال هو عدم الاتّفاق مع الآراء الشائعة للإيثار الفعّال حول ما يعني تحقيق أكبر قدر ممكن من الخير. «هل أنت من مؤيدي الإيثار الفعّال؟» «أوه، هؤلاء هم الأشخاص الذين يعتقدون أنه يجب عليك التبرع بالمال لشِباك الأمان من الملاريا [أو سلامة الذكاء الاصطناعي، أو التّخلص من الديدان، / إلخ، إلخ /]، ولكنّ هذا خاطئ لأنّ […]». أو: «يقول ويل ماكاسكيل أنه يجب على مؤيّدي الإيثار الفعّال النظر في الرّبح من أجل العطاء، ولكن هذا خاطئ لأنّ […]». أو: « قياس العلوم والعدالة الاجتماعية والإبداع و[إلخ، إلخ، إلخ] أصعب بكثير من أشياء مثل سنوات حياة معدّلة الجودة، لذلك يميل مُؤيّدو الإيثار الفعّال إلى التّقليل من تقديرها أو تجاهلها». أو: «مؤيّدو الإيثار الفعّال يتّسمون بالسّذاجةf إزاء قيمة التّجارب السريرية العشوائية والتّحليل الشّامل، يجب عليك بدلاً من ذلك […]». أو: «يمكنك زيادة سنوات حياة معدّلة الجودة بشكل مباشر بقدر ما تريد، لن يُحوّلك ذلك من اقتصاد منخفض النمو إلى اقتصاد عالي النمو. الإثنان على مستويات مختلفة من التجريد السببي».
قد تكون هذه البيانات صحيحة أو قد لا تكون. وعلى أي حال، لا أحد منها يُشكّل انتقادًا جوهريًا للإيثار الفعّال. بل هي أمثلة على التفكير في الإيثار الفعّال: فأنت فعلاً تشارك في مشروع الإيثار الفعّال عندما تُقدِّم مثل هذه التعليقات. يتجادل مؤيّدو الإيثار الفعّال بشكل صاخب في كل وقت بشأن ما يعنيه تحقيق أكبر قدر من الخير. ما يجمعهم هو اتّفاقهم أنّه يجب عليهم «استخدام الأدلة والعقل لمعرفة كيف يمكن تحقيق أكبر قدر من الخير». إذا كنت لا تتفق مع التّصَوُّرات السائدة لدى مؤيدي الإيثار الفعّال حول أكبر قدر من الخير، ولديك أدلة للمساهمة بها، فإنك بذلك تشارك في تحسين فهم مؤيدي الإيثار الفعّال لما هو جيد.
على أي حال، يمثل هذا النّوع من «الانتقاد» ما لا يقل عن نصف - وربما أكثر - الانتقادات الخارجية للإيثار الفعّال التي سمعتها. معظم النّقاد الخارجيين الذين يعتقدون أنهم ينتقدون الإيثار الفعّال في الواقع ينتقدون سرابًا. في هذا السياق، يمتلك الإيثار الفعّال سطحًا هائلاً يمكن فقط تحسينه من خلال الانتقاد، وليس إضعافه. أرى أنّ هذا النّمط يشبه «جودو» الإيثار الفعّال. وغالباً ما تظهر هذه الطّريقة في المناقشات مع «نقّاد الإيثار الفعّال». مثال مُرْضٍ وإيجابي هو مقابلة مؤيّد الإيثار الفعّال روب ويبلين مع راس روبرتس، الذي يعتبر نفسه غير مُتّفِق مع مفاهيم الإيثار الفعّال. ولكن خلال (معظم) المقابلة، يقبل روبرتس ضمنيًا الأفكار الأساسية للإيثار الفعّال، بينما يختلف مع تجسيدات معيّنة. ويمارس ويبلين «جودو» الإيثار الفعّال مرارًا وتكرارًا، محولًا المناقشة إلى نقاش نمطي جدًا على طريقة الإيثار الفعّال حول كيفية تحقيق أكبر قدر من الخير. إنها مثيرة للاهتمام للغاية وكل المشاركين يُفكّرون بعناية، ولكنها ليست حقًا مناقشة حول جدارة الإيثار الفعّال.
بالنسبة لي، هذه هي واحدة من أكثر السّمات جاذبية وفعّالية للإيثار الفعّال. إنه يجعله مختلفًا جدًا عن معظم الأيديولوجيات التي غالبًا ما تكون ثابتة إلى حد ما. يُعدّ الإيثار الفعّال، في بعض الجوانب، محاولة للرّدّ على سؤال «ما هو الخير؟» بنفس الطّريقة التي قام بها العلم مع السؤال «كيف يعمل العالم؟». بدلاً من تقديم إجابة، يقوم بتطوير مجتمع يهدف إلى تحسين الإجابة باستمرارg.
لذا، يجدر الفصل بين الإيثار الفعّال في الممارسة العمليّة (حركة اجتماعية) والإيثار الفعّال كمشروع فكري. إذا كنت ترغب في التعامل مع القضايا الأساسية، فيجب عليك في النهاية التركيز على الأخير وليس فقط الأول. كما قلت: العديد من الانتقادات للإيثار الفعّال في الممارسة العملية هي جزء من المحرك الأساسي للتّحسين، لكنّ هذا لا يعني أنه من غير المجدي أخذ الوقت لانتقاد الظّاهر من الإيثار الفعّال في الممارسة العملية، إذ تنطبق عبارة «تعرفونهم بآثارهم» على المبادئ الفكرية أيضًا، لا على الأفراد حصرًا. إذا كانت مجموعة من المبادئ تنتج الكثير من الآثار الفاسدة، فباستدلال عكسي، يشير ذلك إلى وجود شيء خاطئ في هذه المبادئ. ربما سمعت كيف يدافع الشيوعيون والتحرريون عن التّجارب الفاشلة في الشّيوعية والسّوق الحرّة بالقول: «لم تكن تجربةً شيوعيةً / سوقًا حرّةً حقيقيةً». في بعض الأحيان يكون لديهم وجهة نظر، ولكن إذا استمر هذا النمط، وإذا لم تكن المبادئ الأساسية متينة أو تحتاج إلى الكثير من الدفاع الخاص، فإن ذلك يعني أن هذه المبادئ بها شيء خاطئ إلى حد بعيد.
بطريقة أخرى: عندما تُمارس «الجودو» الإيثارية بشكل زائد، يجدر التّحقق من وجود مشاكل أكثر جوهرية. النّموذج الأساسي للجودو الإيثارية هو: «إن الخلاف حول ما هو جيد لا يلمس الإيثار الفعّال مباشرة. بل إن مثل هذا الخلاف هو المحرك الذي يُعزِّز تحسين فهمنا لما هو جيد». قد يكون هذا صحيحًا في بعض الحالات، ولكن مجتمع الإيثار الفعّال والمؤسسات تخضع للموضة وألعاب القوى والنقائص والانحيازات، تمامًا مثل كل مجتمع ومؤسسة أخرى. النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لضمان اتخاذ قرارات فعّالة بشأن الفعاليةh. والسّبب الذي يزعج العديد من الأشخاص تجاه الإيثار الفعّال ليس اعتقادهم أنها فكرة سيئة أن «نقوم بالخير بشكل أفضل». بل لأنهم يشكّكون في قدرة مؤسّسات ومجتمع الإيثار الفعّال على تحقيق التطلُّعات.
هذه الانتقادات يمكن أن تأتي من اتجاهات متعددة. سمعت من الأشخاص المهتمين بالسياسات الهوياتية قولهم: «إنّ العديد من هذه المنظمات التي تُعنَى بالإيثار الفعّال يُديرها رجال بيض ذوو شأن، وهي تعيد إنتاج هياكل السلطة القائمة، ومتحيزة نحو الرأسمالية التكنوقراطية والوضع الحالي، وتتجاهل العديد من الأمور التي تحمل قيمة حقيقية». وسمعت من التحرريين قولهم: «إنّ الإيثار الفعّال هو مجرد مذهب يساري للنّفع الجماعي. إنه يركّز اتّخاذ القرارات بشكل كبير، ويتجاهل كل من إشارات السّعر والقوّة الهائلة التي تأتي من وجود كثير من الأشخاص يعملون من أجل مصلحتهم الشّخصية، وإن كان ذلك داخل نظام مصمّم لتكون المصلحة الذاتية (في كثير من الأحيان) تساعد الجميع معًا»i. وسمعت من أصحاب المشاريع الناشئة والمخترعين قولهم: «أليس المؤثرون الفعّالون يعملون للمنفعة العامّة؟ إذا كنت ترغب في فعل الخير بأكبر قدر ممكن، لماذا لا تعمل على شركة ناشئة بدلاً من ذلك؟ يمكننا اختراع وتوسيع تكنولوجيا جديدة (أو أفكار جديدة) فحسب لتحسين العالم!»j وسمعت من الأشخاص المطّلعين على مواطن ضعف المنظّمات والمجتمعات القديمة قولهم: «إنّ أيّ حركة تنمو بسرعة ستبدأ أيضًا في الانحدار. سيهيمن عليها المهنيون الطامحون ومشاكل الوكيل الرئيسي، وتفقد الإخلاص والمرونة التي ميزت الرُّواد والمُتَبَنِّين الأوائل»k.
كل هذه الانتقادات فيها بعض الحقيقة، لكنها أيضًا تحتوي على قضايا كبيرة. دون الدّخول في هذه النقاشات، أول نقطة هي أنّها تبدو كمشاكل عملية «فقط»، يمكن ممارسة «الجودو» الإيثارية في مواجهتها: «إن لم نكن نفعل ذلك بشكل صحيح، فسنتحسن، نحتاج فقط تقديمك للأدلة وبديل أفضل». ولكن الأنماط التنظيمية قوية لدرجة أنّ هذه الانتقادات تبدو ضاربة في المبدأ بالنّسبة لي. فمرة أخرى: إذا كانت حركتك الاجتماعية «تعمل من حيث المبدأ» ولكن التّنفيذ العملي يعاني الكثير من المشاكل، فإنّها لا تعمل حقًا من حيث المبدأ أيضًا. إنّ خاصّية «نحن قادرون على القيام بذلك بفعّالية في الممارسة العملية» هي خاصية مهمّة (ضمنيًا) في المبدأ.
المؤثرون الفعّالون «السيئون» الذين وقعوا في فخّ البؤس
لنعد إلى مبدأ الإيثار الفعّال: «استخدام الأدلة والتفكير المتأني لفعل أكبر قدر ممكن من الخير». إنه مبدأ جذّاب بكل الطّرق وواضح للغاية وموجّه للغاية وذو معنى، خاصةً إذا تم تضمينه في سياق اجتماعي وتنظيمي يقدم توصيات مقنعة حول كيفية فعل أكبر قدر ممكن من الخير. لا تحتاج هذه التوصيات إلى أن تكون مثالية: يجب أن تكون فقط أفضل مما تتوقع أن تتمكن من القيام به في معظم السياقات المجتمعية الأخرى.
جزء من جاذبية هذا المبدأ هو أنّه يُزيل الاختيار. إنّ أحد الإنجازات العظيمة في الحداثة هو منح النّاس مزيدًا ومزيدًا من الاختيار حتى يصلوا إلى اختيار (على ما يبدو) كل شيءl. ولكن الاختيار الواسع أيضًا يُشعر الشّخص بالحيرة والتحدي. تكمن كثير من قوة الإيثار الفعّال (والعديد من الأيديولوجيات) في أنه يزيل جزءًا كبيرا من هذا الاختيار قائلاً: لا، لديك واجبm أن تفعل أكبر قدر ممكن من الخير في العالم. علاوة على ذلك، يوفر الإيثار الفعّال مؤسسات ومجتمعًا يساعد في توجيه كيفية قيامك بذلك الخير. وبالتالي، يوفر التوجّه والمعنى والهدف مما تقوم به.
علّق نيك كاماراتا، الذي كان ينتمي إلى حركة الإيثار الفعّال سابقًا، على تويتر بالتالي، وهو تعليق سمعت صداه في المحادثات الفردية مع العديد من الأفراد الذين كانوا ينتمون أو ينتمون إلى الحركة:
صوتي الدّاخلي في بداية عام 2016 كان يحوّل تلقائيًا كل الأموال التي أنفقتها (مثل العشاء) إلى «عدّاد وفاة» كسري للحيوات التي كنت لأنقذها لو تبرّعت بها لجمعيات خيرية. وكانت ردود فعل معظم الأفراد الذين تحدثت معهم من مجتمع الإيثاريين حول ذلك في ذلك الوقت مثل «نعم، يبدو ذلك معقولًا.
أو فكر في هذا الحوار الملفت على تويتر بين شخص غير معني بحركة الإيثار الفعّال وشخص ينتمي إليها:
«المقدار الأمثل من الإيثار الفعّال ليس 100٪»
«ولكن المؤثرين الفعّالين الجيّدين يأخذون ذلك في اعتبارهم»
«نعم ولكنّ المؤثرين الفعّالين السيئين يقعون في فخّ البؤس»
«صحيح، ولكنّ هذا ليس عيبًا في الإيثار الفعّال، بل هو عيب في أولئك الأفراد».
أو فكر في الفقرة التالية في كتاب بيتر سينغر «أقصى قدر من الخير يمكنك فعله»:
شعرت المؤثرة الفعّالة الرائدة جوليا وايز، عندما كانت صغيرة، بقوّة بأنّ اختيارها للتبرع أو عدم التبرع يعني الفارق بين حياة أو موت شخص آخر، لدرجة أنها قرّرت أنّه سيكون غير أخلاقي بالنّسبة لها أن تنجب أطفالًا لأنّهم سيأخذون الكثير من وقتها ومالها. أخبرت والدها بقرارها، وردّ عليها قائلاً: «لا يبدو أن هذا النمط الحياتي سيجعلك سعيدة»، وكان ردّها: «الأمر لا يتعلق بسعادتي». وفيما بعد، عندما كانت مع [زوجها] جيف، أدركت أن والدها كان على حق. فقرارها بعدم الإنجاب جعلها في حالة من البؤس. لتتحدث مع جيف، ويقرّرا أنه يمكنهما تربية طفل وتقديم الكثير. حقيقة أن جوليا يمكنها التطلع إلى أن تكون أمًا أعادت لها شعورها بالتطلع للمستقبل. رأت أن رضاها عن حياتها يجعلها أكثر فائدة للعالم مما كانت لتكون عليه لو كانت «إيثارية تائهة.
هناك حدود للجميع، إذا وجدت نفسك تقوم بشيء يجعلك منهكًا فعليك إعادة النظر في الأمر، هل يمكن أن تصبح أكثر إيجابية حياله؟ إذا لم يكن كذلك، هل هو حقًا الأفضل، بمراعاة كل الأمور؟
…
تعترف جوليا بأنها ارتكبت أخطاء. حيث كانت تسأل نفسها باستمرار عندما تتسوّق: «هل أحتاج إلى هذه المثلجات بنفس قدر احتياج امرأة تعيش في الفقر في مكان آخر في العالم لتطعيم طفلها؟» جعل ذلك تجربة التسوّق في البقالة تجربة محبطة، لذا اتخذت هي وجيف قرارًا بشأن ما سيتم التبرع به خلال الستة أشهر التالية ثم وضعا ميزانية استنادًا إلى ما تبقّى، اعتبرا المال ضمن تلك الميزانية خاصتهما لينفقاه على نفسيهما، لا تتقشف جوليا الآن عن المثلجات لأنها كما قالت للفصل: «المثلّجات أمر مهمّ حقًا لسعادتي.
…
قرار جوليا وجيف بإنجاب طفل يُظهر أنهما وضعا خطًا لا يتجاوزانه حيث لا يسمحان لنفسهما أن يمنعهما هدف الوصول بما يقدمانه إلى أقصى حد من الحصول على شيء مهم جدًا بالنسبة لهما. وقد وصفت بيرناديت يونغ، شريكة توبي أورد، قرارهما بإنجاب طفل بنفس الطريقة: «أنا سعيدة بالتّبرع بنسبة 50% من دخلي على مدى حياتي، ولكن لو اخترت أيضًا عدم الإنجاب ببساطة لرفع تلك النسبة إلى 55 في المائة، فإن تلك الخمسة بالمائة الأخيرة ستكلفني أكثر من كل الباقي. … لقد قررت تلبية احتياجٍ نفسيٍّ كبير وتخطيط حياة يمكنني أن أعيشها على المدى الطويل». لا يُعتبر مرور جوليا أو بيرناديت بحزن عميق بسبب عدم القدرة على إنجاب طفل - لأي سبب كان - أمرًا غريبًا يتطلب إنجاب طفل بالتأكيد كل من المال والوقت. ولكن وفقًا لبيرناديت، يمكن للمؤثرين الفعالين أن يأملوا بشكل معقول أن يكون لديهم طفل سيفيد العالم، فكل من القدرات العقلية وسمات مثل التعاطف لها نسبة وراثة كبيرة، ويمكن أن يتأثّر الأطفال أيضًا بالقيم التي يتبنّاها ويمارسها آباؤهم في حياتهم اليومية. رغم عدم وجود يقين بأنّ أطفال المؤثرين الفعّالين سيقومون على مدى حياتهم بفعل خير أكثر من السّوء، إلّا أنّ هناك احتمالًا معقولًا في ذلك، وهذا يساعد في تعويض التكاليف الإضافية لتربيتهم. يمكننا أن نُعبّر عنها بطريقة أخرى: إذا قرر كل من يهتم بفعل الخير عدم إنجاب أطفال، بينما يستمر الذين لا يهمّهم أحد في إنجاب الأطفال، هل يمكننا حقًا أن نتوقع أن يكون العالم أفضل بعد عدة أجيال ممّا لو كان الذين يهتمون بالآخرين قد أنجبوا أطفالًا؟
هناك نهج ذو صلة شائع في الإيثار الفعّال تجاه الفنون. يقول سينغر بصراحة حول هذا: يصعب حقًا تبرير الفنون:
هل يمكن أن يكون تعزيز الفنون جزءًا من «أكبر قدر ممكن من الخير الذي يمكنك فعله؟
في عالم تَغَلَّب على الفقر المدقع وغيره من المشكلات الكبيرة التي نواجهها الآن، سيكون تعزيز الفنون هدفًا جديرًا بالفعل، لكنّ التبرّع لدور الأوبرا والمتاحف في العالم الذي نعيش فيه الآن، لأسباب سيتم استكشافها في الفصل 11، لا يبدو أنّه فعل أقصى ما يمكن فعله من الخير.
سمعت من العديد من المؤثرين الفعّالين أنهم يعرفون العديد من المؤثرين الفعّالين الذين يشعرون بالإحباط أو حتّى الاكتئاب لأنّهم يشعرون بأنّ لديهم تأثيرًا غير كافٍ على العالم. كمشروع فكري، من المثير للاهتمام الانطلاق من مبدأ مثل «استخدام العقلانية والأدلّة لمعرفة كيفية فعل أقصى قدر من الخير في العالم» ومحاولة استنتاج أمور مثل «الاعتناء بالأطفال» أو «التمتع بتناول المثلّجات» أو «المشاركة في الفنون أو دعمها»n كحالات خاصة من المبدأ الشامل. ولكن رغم كون ذلك مثيرا للاهتمام من الناحية الفكرية، فإنه يُعتبر خطأ فادحًا كدليل مباشر للحياة. السبب في الاهتمام بالأطفال (إلخ) ليس لأنّه يساعدك في فعل أقصى قدر من الخير، بل لأنّه يفترض بنا تمامًا أن نهتمّ بأطفالنا. السّبب في أهمّية الفن والموسيقى والمثلّجات ليس لأنّها تساعدك في فعل أقصى قدر من الخير، بل لأنّنا نستجيب بصفتنا بشر - وليس آلات بلا روح - بطرق لا نفهمها تمامًا لأشياء تُؤَثّر علينا ولا يمكننا أن نفهمها بشكل كامل.
النمط الذي اختاره المؤثرون الفعّالون هو إدراج بنود للهروب. يتحدث العديد منهم عن وجود ميزانية «مريحة» للتبرعات «غير الفعّالة» التي تجعلهم ببساطة يشعرون بالسعادة. وينحتون بنود تمديد مخصصة مثل تلك المتعلقة بإنجاب الأطفال أو إلغاء ميزانية للمثلّجات أو ميزانية للعشاء، إلخ..o يبدو كل ذلك لي كمبررات خاصّة بمُعدَّل يشير إلى وجود أمرٍ غير صائب. لقد بدأتم من مبدأ رئيسي واحد يبدو جذابًا للغاية، لكنك الآن بين خيار أن تقبل جميع العواقب وتجعل نفسك تشعر بالتعاسة، أو أن تبدأ، كفرد، في تشكيل تمديدات مخصصة. ويتبين أن ذلك مرهقٌ للغاية في حد ذاته. ينشغل أشخاص ذوو فكر مثل نيك كاماراتا بحيرتهم حول العشاء، وليس العشاء بمشكلة: المشكلة هي حقيقة أنّ كاماراتا في حيرة. أو في جوليا وايز تقرر ما إذا كانت ستتناول المثلّجات أم لا - وما إذا كانت ستنجب أطفالًا أم لا.
وليس ذلك غريبا: لديك في كفّةٍ مبدأ واضحٌ وقويٌ جدًا وكيانات خارقة (منظمات الإيثار الفعّال + المجتمع الواحد) يرسلون رسائل واضحة وجاذبة للغاية حول كيفية تحقيق أقصى قدر من الخير. ولكن على مستوى الفرد، يحاول الناس اكتشاف الحدود وتحديدها، طبيعي جدّا أن يكون هذا مجهدًا.
هذه مشكلة كبيرة حقًّا بالنسبة للإيثار الفعّال، فعندما يأخذ الناس مبدأً شاملًا بجدية كبيرة، نجد أنفسنا أمام أشخاص متوترين يشعرون بالقلق بشأن عيشهم بطريقة غير صحيحة. والنّقد الصحيح لهذا الوضع ليس كما يقول سينجر: بمنعهم من تحقيق أقصى قدر ممكن من الخير. النّقد هو أنها طريقة خاطئة للعيش، حيث أنّهم يحتاجون إلى أساس مختلف لحياتهم قد يتضمن بعض الاختلاف عن ذلك المبدأ، كجزء صغير من فلسفة حياة أكبر ومتطوّرة تمامًا. ولكن يجب أن تُصقل تلك الفلسفة بواسطة مبدأ آخر أو مبادئ أُخرى؛ بحيث تكون لتلك المبادئ نفس نوعية الوضوح والقوة لتتناسب جميع الأجزاء معًا بشكل واضح، بحيث يكون مبدأ «أقصى قدر من الخير» قد تم تحديده بشكل راسخ بواسطة المبادئ الأخرى. وقد يحتاج التوازن (جزئيًا) إلى أن يتم تفويضه إلى مؤسسات خارقة، لأنّ طلبه من معظم الأفراد دون أن يتسبب لهم في إجهادٍ هائلٍ غيرُ ممكن. أمّا إذا تم استخدام «أقصى قدر من الخير» كقاعدة أساسية لفلسفة الحياة، يُضاف إليها بشكل عشوائي فقرات إضافية، فهذا يبدو لي أنه وصفة للمشاكل.
يوجد حل بديل، والذي أعتقد أنه اعتُمد من قِبَل العديد من المؤثرين الفعّالين، هو نوعٌ من الإيثار الفعّال المُخفّف. الإيثار الفعّال القوي يأخذ مبدأ «افعل أكبر قدر من الخير يمكنك فعله» بجدية كجزء أساسي من فلسفة الحياة. أما الإيثار المخفف فيستخدم هذا المبدأ بصفته مرشدًا، تبرع بنسبة 1٪ من دخلك، تبرع بنسبة 10٪ من دخلك على ألا يتسبب ذلك في معاناة لك، كن حذرًا فيما يتعلق بتأثير عملك على العالم واستشر مصادر متنوعة. كل هذه أمور جيدة للقيام بها! النقد لهذا النوع يتلخص في أنه يعتبر أمرًا جيدًا، ولكنه أيضًا صعب التمييز عن الفكرة الشائعة الموجودة لدى الكثيرين، والتي تقول «عش بشكل جيد وحاول فعل بعض الخير في العالم». كما ورد في قول أميا سرينيفاسان[^18]:
لكن كلما زاد عدم اليقين في الأرقام، قلت قيمة الحساب، واضطررنا إلى الاعتماد أكثر على الفهم الشائع لِما إذا كانت الأمور تستحق القيام بها. هل نحتاج حقًّا إلى نموذج معقّد ليخبرنا أنه يجب ألا نتورّط في الرهون العقارية الثانوية [/ تعديل: نعم /]، أو أنّ نظام السّجون الأمريكي يحتاج إلى إصلاح، أو أنه قد يكون من المفيد دخول السياسة الانتخابية إذا كنت واثقًا من أنك لا تفعل ذلك لمصلحتك الشّخصية فحسب؟ كلّما زاد تعقيد المشكلة التي يحاول الإيثار الفعّال معالجتها- أي كلما تعمّقت أكثر في التّفاعل مع العالم ككيان سياسي - قلّت مساهمته المميزة. يواجه الإيثاريون الفعالون، مثل الجميع، حقيقة أن العالم معقّد، ومثلهم مثل الآخرين الذين يرغبون في تحسينه، يجب عليهم أن يفعلوا ما يبدو لهم الأفضل، دون وجود إحساس نهائي بما قد يكون ذلك أو أيّ ضمانة بأنّهم يفعلون ذلك بشكل صائب.
الأمر الأكثر إقلاقًا من عدم قدرة النموذج على إخبارنا بأي شيء مفيد للغاية عندما نتحرك خارج نطاق التدخل المحدد هو استعداده لاستخدامه ليخبرنا بالضبط بما نريد سماعه.
…
الإيثار الفعّال يأخذ جوهر حجّة سينجر ولكن يحمينا من النتائج الكاملة لها… بدلاً من تقليل قيمة حياتنا إلى مستويات العيش الأدنى، يُشجعنا ببساطة على البدء بالعشر التقليدي بنسبة 10 في المئة، ثم الرّفع تدريجيًّا كل سنة. وبهذا يتفادى الإيثار الفعّال أحد الاعتراضات الرئيسيّة على النّفعية: أنّها تطلب منّا الكثير. ولكن ليس واضحًا كيف يُفترض أن يعمل هذا التفادي، يخبرنا ماكاسكيل أن المؤثرين الفعّالين - مثل النّفعيين - ملتزمون بفعل أكبر قدر ممكن من الخير، ولكنه يخبرنا أيضًا أنه من المقبول الاستمتاع بـ ‘نمط حياة مريح’، طالما تتبرع بالكثير للأعمال الخيرية. يطلب منا الإيثار الفعّال، مثل النّفعية، فعل أكبر قدر ممكن من الخير، أو يطلب منّا ببساطة أن نحاول تحسين الأمور. الفكرة الأولى هي فكرة جذرية حقًا، حيث يتعين علينا إعادة هيكلة حياتنا اليومية بطرق لا يمكن تصوّرها بالنّسبة لمعظم الناس. (يُكرر سينجر دعوته لمثل إعادة الهيكلة هذه بالضبط في كتابه الأخير «The Most Good You Can Do» (أكبر قدر ممكن من الخير يمكنك فعله)، وكتاب «Strangers Drowning» )غرباء يغرقون( للكاتبة لاريسا ماكفاركوهار هو مجموعة من صور «المؤثرين المتطرّفين» الذين استجابوا لهذه الدعوة.) الفكرة الثانية - أنّنا نحاول تحسين الأمور - يشترك فيها كل نظام أخلاقي جدير وكل شخص لائق. تصعب معارضة الإيثار الفعّال إذا كان مجرد محاولة لجعلنا أكثر فعّالية عندما نحاول مساعدة الآخرين. ولكن يصعب أيضًا في هذه الحالة رؤية ماذا يقدم في سياق الرؤية الأخلاقية الجديدة، ناهيك عن أن يكون آخر حركة اجتماعية نحتاج إليها.
هناك الكثير ممّا أتفق معه في هذا المقتطف، ولكن أعتقد أن هناك ردًا جيدًا على التعليق الأخير لسرينيفاسان: «في هذه الحالة، يصعب أيضًا رؤية ماذا [يقدم الإيثار الفعّال] من حيث الرُّؤية الأخلاقية الجديدة، ناهيك عن أن يكون آخر حركة اجتماعية نحتاج إليها». الآن، إذا كانت حجّة فكريةً بحتة، سأتفق معها. ولكن ذهب المؤثرون الفعّالون فعليًا وفعلوا ذلك: خلقوا مؤسسات تتمحور فعليًا حول هذه الفكرة. وهذا أمر قيّم وابتكار.
انتقادات داخليّة لمبدأ الإيثار الفعّال
لنعد مرة أخرى إلى مبدأ الإيثار الفعّال: «الإيثار الفعّال يعني استخدام الأدلة والعقلانية لفعل أكبر قدر ممكن من الخير في العالم». لقد ناقشت بعض الأعراض التي تظهر في الممارسة تشير إلى مشاكل ضمنية مع هذا المبدأ؛ كما ناقشت مشاكل تَحُدُّ من المبدأ. دعونا ننتقل إلى الانتقاد المباشر للمبدأ في حدّ ذاته.
كثير من هذه المشاكل هي فقط الأمور المبدئية التي يستخدمها الناس لمهاجمة النّفعية الأخلاقية. للأسف، أنا بعيد عن كوني خبيرًا في هذه الحجج، لذلك سأقدّم رأيي بشكل موجز جداً: «الخير» ليس قابلاً للتبديل، وبالتالي فإنّ أيّ تقدير كمّي هو تبسيط مبالغ فيه. بل إنّه في بعض الأحيان ليس مجرد تبسيط: إنه خطأ صريحٌ ومضلل بشدة. مثل هذا التقدير الكمّي بالتأكيد غالبًا ما يكون ملاءمًا عمليًا عند إجراء مفاضلات؛ قد يكون أيضًا مفيدًا لاقتراح حجج أخلاقية (ليست حجج نهائية)، لكنه لا يحمل أي وضع أساسي. ونتيجة لذلك، مفاهيم مثل «زيادة الخير» أو «أكبر قدر من الخير» هي ملاءمات مفيدة، ولكنه خطأ فادح أن نعاملها كمفاهيم أساسية. علاوة على ذلك، مفهوم «الخير الوحيد» أيضًا قابل للشك، حيث يوجد أنواع متعددة من الخير لا يمكن قياسها ولا يمكن مقارنتها أساسًا ولا يمكن دمجها.
أجد هذه الانتقادات قوية ومقنعة كوسيلة عملية وأداة مبتكرة، فالمذهب النّفعي مفيد، لكنّي لا أتبنّاه كحقيقة أساسية عن العالم.
(على هامش الموضوع: من المثير للاهتمام التّأمل في مدى صدق تصريح الأمين العام السّابق للأمم المتّحدة، داغ هامارشيولد، القائل: «من الأنبل أن تعطي نفسك بالكامل لفرد واحد على أن تعمل بجد لخلاص الجماهير». هذه العبارة أبعد ما تكون عن وجهة نظر الإيثار الفعّال، إلّا أنّي أجد فيها نوعًا من الحقيقة المتعلقة به.)
يثير الجزء الخاص بـ «استخدام الأدلة والعقلانية» انتباهنا بشكل أقلّ تركيزًا. فهناك تغيير مستمر في معنى البشر لـ «الأدلّة والعقلانية»، مع قفزات حادة أحيانًا. في الواقع، العديد من أعظم إنجازات الإنسان كانت تغييرات جذرية في مفهومنا للأدلّة والعقلانية، حيث أنّ معايير الأدلّة والعقلانية في القرن الحادي عشر تختلف كثيرًا عن تلك التي نعتمدها اليوم، وأتوقع أن تكون معايير القرن الواحد والثلاثين مختلفة تمامًا. بالطبع يمكن معالجة هذه النّقطة ببعض التعديلات الطفيفة، فيمكن التعامل معها من خلال تغيير المبدأ إلى: «فعل أقصى قدر ممكن من الخير في العالم بناء على أفضل معاييرنا الحالية للأدلّة والتفكير»، للتأكيد على الوعي بحقيقة أن هذه الأمور قد تتغير.
متفرّقات
هذه أربعة مواضيع أرغب في خوضها بالتفصيل، لكن قرّرت تركها خارج نطاق الملاحظات الحالية. أرغب فقط في ذكرها هنا مع وجود خطر التباس القضية بسبب شرح موجز يمكن تفسيره خطأً بسهولة؛ تحتاج جميع هذه المواضيع حقًّا إلى شرح طويل:
عدم الوضوح: إحدى الحجج الشّائعة ضدّ الإيثار الفعّال هي أنه يستهين بالأنشطة غير واضحة المعالم. الاستجابة النموذجية من قبل الإيثار الفعّال هي نوع آخر من «جودو» الإيثار الفعّال، وهو صرخة حرب البيروقراطيين: لنجعلها واضحة2! سنكتشف مقدار الخير الذي يقوم به العلم في المراحل المبكّرة أو حفلة عيد ميلاد للأطفال أو أنواع جديدة من النحت. مع ذلك، كلما جعلنا المزيد من أنواع الأنشطة واضحة، زادت وتغيّرت هالة عدم الوضوح: وكثير من أعماق العمل الإبداعي وأعظم التغييرات في الحياة تتم عن طريق الأشخاص في تلك الهالةp، وفي عديد أنواع العمل، عندما تحصل على النتائج التي تريدها -أو نتائج يمكنك فهمها حتى- فقد فاتتك فرصة هائلة. «الأدلّة والعقل» تبدأ في الانهيار بالضرورة في هالة عدم الوضوح. أظنّ أيضًا أنّي، كصفة شخصية أساسية، أشعر بالسعادة في تلك الهالة غير الواضحة، وهذا هو السّبب في أنّني واجهت الكثير من الصّعوبات في تفهم الإيثار الفعّال: كأنّه لغة أجنبية، حيث هناك افتراض أساسي لا أستوعبه. وبالمقابل، عندما أتحدث عن عدم الوضوح مع المؤثرين الفعّالين، ينظرون إليَّ وكأنني كائن فضائي، فهم يعتبرون عدم الوضوح شيئًا يجب السّيطرة عليه وتقليله؛ بينما أعتبره أنا حقيقة أساسية وثابتة حول كيفية عمل العالم. في الواقع، كلما سيطرت على عدم الوضوح، ظهر غموض أكثر، وزادت الحاجة لمثل هذا العمل.
«الإيثار الفعّال طائفة / الإيثار الفعّال دين»: هذه تصريحات شائعة، يتم استخدامها عادة كجزء من هجمات نقديّة. أعتقد أنّها غالبًا ما تستخدم بدون تفكير أو بشكل ماكر مستندة إلى الدّلالات السلبية لكلمة (طائفة). من المؤكّد أنّ لديها بعض السمات المشتركة مع الحركات الطائفية، وهو الأمر الذي ينطبق أيضًا على رياضة التّسلق وتقدير موسيقى بوب ديلان والعديد من الأنشطة الأخرى. لكن الجزء الجوهري الذي يستحق الانتباه هو: كما هو الحال مع أي حركة قوية وجاذبة وناشئة، قد يجذب الإيثار الفعّال شخصيات مخادعة تتطلّع إلى استغلال الآخرين. وهذه قضية حقيقية يستحسن أن نحترس منها. إلّا أنّي لا أعتقد أنّ الإيثار الفعّال عرضة بشكل استثنائي لذلك مقارنةً بأيّ أيديولوجية قويّة أخرى.
التوجه طويل الأمد / مخاطر وجودية / سلامة الذكاء الاصطناعي: يتطلب هذا مجموعة من الملاحظات بذاتها. أنا متفائل بشكل عام حيال العمل حول المخاطر الوجودية؛ يعجبني على سبيل المثال كتاب توبي أورد الأخير حول هذا الموضوع. أنا لا أقدر معظم العمل الجاري بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي، رغم وجود بعض الأشخاص الذين يقومون بعمل جيد، وعمل مجاور (في مجال العدالة، والتفسير، والتوضيح، إلخ) ذو قيمة كبيرة حقًا.
الأجواء والجماليات: يشير أحد الأصدقاء إلى أنّ لدى الإيثار الفعّال أجواء خاصّة وغير عادية تمامًا تختلف كثيرًا عن العديد من الثّقافات الأخرى، ويبدو هذا صحيحًا ومثيرًا للاهتمام. لست متأكّدًا من انطباعي عن هذا الأمر. ينطبق هذا أيضًا على الجماليات: يميل الإيثار الفعّال نحو جمالية هادفة للغاية وخاصة. كما يعتبر النظر إليه في إطار فني أمرًا مثيرًا للاهتمام: تاريخيًا، غالبًا ما تؤدي المقاربات الهادفة للفن أساسًا إلى فن سيء، سيكون من الرائع رؤية حركة فنية تنشأ من الإيثار الفعّال وتنطلق من شيء مختلف!
الخلاصة:
الإيثار الفعّال هو فلسفة حياة ملهمة وتمنح معنى للحياة. إنّه يدعو الناس إلى الاتصال بشكل قوي بفكرة الخير الأسمى والمساهمة في تحقيقه وجعله محورًا في حياتهم. لقد حقّق الإيثار الفعّال في الممارسة العملية قدرًا ملحوظًا من الخير المباشر في العالم ممّا جعل حياة الناس أفضل. إنه رائع أن يكون إطار المحادثة حول «كيفية فعل أكبر قدر من الخير» متاحًا بسهولة ويُفترض أن يكون له قيمة. يقدم الإيثار الفعّال في الممارسة العملية أيضًا مجتمعًا قويًا وشعورًا بالانتماء والقيم المشتركة للكثير من الناس، إذ يقدّم الإيثار الفعّال بصفته رائدًا أخلاقيًّا مجموعة رائعة من المنافع العامّة الجديدة.
كل هذا يجعل الإيثار الفعّال جاذبًا كفلسفة حياة، حيث يوفّر التوجّه والمعنى ونواة واضحة وقوية مع مؤسسات داعمة. لكن الإيثار الفعّال القوي هو فلسفة حياة سيئة للأسف، بحدود ضعيفة قد تسبب إزعاجًا كبيرًا للناس، ولاتخدم الاحتياجات الأساسية بشكل كافٍ. إنّ الإيثار الفعّال في الممارسة العمليّة مركزيٌّ للغاية ويركز كثيرا على الميزة المطلقة؛ حيث كثيراً ما يقدم السوق عملًا أفضل بكثير في توفير أنواع معينة من الخير الخاص (أو القابل للخصخصة). ومع ذلك، من المرجح أن يؤدّي الإيثار الفعّال في الممارسة العمليّة بشكل أفضل في توفير أنواع معيّنة من الخير العام مما تفعله العديد من المؤسسات القائمة. يعتمد الإيثار الفعّال بشكل كبير على الكاريزما عبر الإنترنت: تسيطر المناقشات المبهرجة وغير الجوهرية لموضوعات مثل حجة المحاكاة والمخاطر الوجودية وسلامة الذكاء الاصطناعي على المحادثة بدلاً من العمل الأكثر جدية. (لا يعني هذا أنه لا توجد مناقشات جيدة حول مثل هذه المواضيع.) الإيثار الفعّال في الممارسة العمليّة متحالف كثيرًا مع أنظمة القوّة الحالية، ولا يقوم بالكثير لاستجوابها أو تغييرها، كما أنّ استخدام مصطلح «فعّال» هو تسويق ذكي وبنّاء للحركة لكنّه ماكر فكريًا. يعتبر الإيثار الفعّال عدم الوضوح مشكلة يجب حلها وليس ظرفًا أساسيًا، لذلك أداؤه ضعيف في أنواع معيّنة من العمل الإبداعي والجمالي. إنّ النفعية الأخلاقية أداة عملية مفيدة لكنّها محدودة، حيث تخلط بين القياس الكمّي المفيد والمقايضة مع حقيقة أساسية حول العالم.
لقد قدمت نقدًا قويًا للإيثار الفعّال في هذه الملاحظات، ولكنّي لم أقدم بديلًا واضحا وقويًا. إنه ما يعادل قول أنّ نظامًا غذائيًا لشخص ما يتكون من المثلجات والشّوكولاطة ليس مثاليًا، دون تقديم طعام أفضل؛ قد يكون صحيحًا، ولكنه ليس قابلًا للتّنفيذ فوراً. نظرًا لحاجة النّاس العاطفية الهائلة إلى نظام قوي يعطي للحياة معنى، لا أتوقع أن يكون له تأثير كبير على هؤلاء الأشخاص، إذ أنّه من السّهل جدًا تجاهل هذه القضايا أو التنصّل منها عن طريق إضافة بعض الشروط الاستثنائية. مع ذلك، ساعدتني كتابة هذه الملاحظات في فهم أفضل لسبب عدم كوني مؤثرًا فعّالًا، وأيضًا لماذا أعتقد أن مبدأ الإيثار الفعّال قد يشكل، بتعديلات لابأس بها، جزءًا قيّمًا من فلسفة حياة أكبر. إلّا أنّي لا أفهم ما هي تلك الفلسفة الحياتيّة بالضبط بعد.
في مكان آخر
أقترح إلقاء نظرة على الانتقادات الموجهة نحو الإيثار الفعّال وهذه الفئات الأربعة من الانتقادات التي تمثلها. بعد انتهائي من المسودة الأولى لهذه الملاحظات، أُعلِن عن مسابقة لانتقادات الإيثار الفعّال؛ لدي فضول لرؤية المشاركات. قد يكون تصميم المسابقة مبنيًا على أفكار الإيثار الفعّال الموجودة مسبقًا للأسف.
شكر وتقدير
شكرًا للعديد من الأشخاص على المحادثات التي غيّرت أو أثّرت في كيفية تفكيري حول الإيثار الفعّال، بمن في ذلك: مارك أندريسن وناديا أسباروهوفا وألكسندر بيرجر وديفيد تشابمان وباتريك كوليسون وجوليا جاليف وأناستازيا غاميك وداني جوروف وكاتيا جريس وسبنسر جرينبرج وروبن هانسون وديفيد كراكاور وروب لونج وأندي ماتوشاك ولوك ميولهاوزر وكريس أولاه وكاثرين أولسون وتوبي أورد وكانجون كيو وجاكوب تريفيثين. أيّ أفكار جيدة هنا ترجع في جزء كبير منها إليهم، وهم بالطبع مسؤولون تمامًا عن كل الأخطاء: ههه! شكر خاص لألكسندر بيرجر، أناستازيا غاميك، كاتيا جريس، روب لونج، كاثرين أولسون، وتوبي أورد: الذين كانت محادثاتهم مصدر إلهام مباشر لهذه الملاحظات، وأتوقع أن العديد منهم قد يختلف بشدّة مع الكثير ممّا هو موجود في الملاحظات! وشكرًا لناديا أسباروهوفا وديفيد تشابمان على تقديم ملاحظات حول مسودة النّص، وشكرًا لكيلر شول على التّنبيه إلى خطأ في الإصدار الأوّلي للمقال.