ما أكثر الوظائف عَوْنًا للناس؟

بقلم Benjamin Todd
اختيار المهنةالإحسان الفعال

يرى الكثيرون سوبرمان بطلاً، لكنه قد يكون المثال الأهم للموهبة غير المستغلة في القصص الخيالية. كانت محاربته للجريمة واحدة تلو الأخرى طوال حياته خطأً فادحاً. لو قام سوبرمان بالتفكير بإبداع أكبر، لأمكنه تحقيق خير أكبر بكثير. ماذا عن توصيل اللقاحات لجميع الشعوب بسرعة فائقة؟ ربما أدت هذه الخطوة إلى القضاء على معظم الأمراض المعدية وبذلك كان يمكنه إنقاذ حياة مئات الملايين من البشر.

يقع الكثير من هؤلاء الذين يريدون إحداث فارق من خلال مسارهم الوظيفي في نفس الفخ الذي وقع فيه سوبرمان. يريد خريجو الجامعات أن يصبحوا أطباء أو مدرسين، ولكن ربما لا تتناسب هذه الوظائف مع مهاراتهم الشخصية. ومثل محاربة سوبرمان للجرائم، غالبًا لا تساهم هذه المسارات في الوصول إلى حلول للمشكلات إلا بمستويات محدودة.

على العكس، فقد اكتشف الطبيب الحاصل على جائزة نوبل كارل لاندشتاينر (Karl Landsteiner) فصائل الدم، مما أدى لإنقاذ حياة ملايين البشر من خلال العمليات الجراحية. بدون هذا الاكتشاف، ربما لن يستطيع لاندشتاينر نفسه إجراء تلك الكمية الهائلة من العمليات الجراحية.
نقدم لك بالأسفل خمسة طرق يمكنك من خلالها استخدام وظيفتك في معالجة المشكلات الاجتماعية التي تود العمل عليها (والتي حددناها في المقال السابق). الطرق الخمسة هي: التكسُّب للتبرُّع، التواصل، البحث العلمي، الحكومة والسياسات، وبناء المنظمات. سوف نمدك بتوصيات ملموسة لكيفية السعي لكلٍّ من هذه الطرق.

للمزيد من الأفكار، يمكنك تصفح قائمتنا المطولة للمسارات الوظيفية الأكثر فاعلية التي توصلت إليها أبحاثنا حتى الآن.

وقت القراءة المتوقع: 20 دقيقة.

الخلاصة:

  • ما إن تختار أحد التحديات، كما شرحنا في المقال السابق، فإن الخطوة القادمة هي التفكير في كيفية الوصول لأفضل طريقة للمساهمة في حلّه.
  • فكر بتوسُّع في الطرق التي تمكنك من تحقيق أكثر المساهمات فعالية، ويشمل ذلك البحث، والتواصل، وبناء المجتمعات الداعمة، والحصول على وظائف ذات دخل مرتفع يمكنك من خلالها التبرع للأعمال الخيرية، بالإضافة إلى التركيز على الحكومة والسياسات، وبناء المنظّمات.
  • قم بالتركيز على أكثر المسارات احتياجًا في مواجهة التحدي الذي اخترت العمل عليه. يمكن حل بعض المشاكل من خلال تغيير السياسات العامة، والبعض الآخر يتطلب البحث العلمي، وغيرهما يتركز الاحتياج فيه على التمويل، وهكذا.
  • في نهاية المطاف وعلى المدى البعيد، يجب أن تصل للخيارات التي تمزج أولاً بين مدى إلحاح التحدي، وثانياً حجم مساهمتك المتوقع في حل المشكلة، وثالثًا مدى ملاءمتك الشخصية للتعامل معه، بالإضافة إلى مناسبة هذا التحدي لأهدافك الشخصية رابعًا.

التوجه الأول: التكسُّب للتبرُّع

هل كان من الممكن لإلتون جون (Elton John) أن يحقق مزيداً من التأثير لو قام بالعمل في منظمة صغيرة غير هادفة للربح؟ نحن لا نحلم عادة بأن نكون نجوم روك عالميين كوسيلة لفعل الخير، ولكن — بعيداً عن قيمة موسيقاه — قام إلتون جون بإنقاذ حياة الآلاف من الناس عن طريق التقليل من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز.

كان لجون إلتون تأثيراً إنسانيًا كبيراً من خلال العمل الخيري، وهو ما نعتبره تعويضاً أكبر من المناسب عن أدائه السيئ لأغنية I’m still standing (الصورة تعود إلى إرنست فيكنه Ernst Vikne)

إليك طريقة فعالة لعمل مزيد من الخير والتي لا تُطرَح كثيراً: التكسُّب للتبرُّع.

عادة ما نقابل أشخاصاً مهتمين بالحصول على وظائف ذات أجر مرتفع، مثل مهندسي البرمجيات، ولكنهم عادة قلقين من عدم إحداث التغيير في حال عملهم بهذه الوظائف. أحد أسباب هذا الاعتقاد هو أننا لا نفكر في كسب المزيد من المال كوسيلة للأشخاص الذين يريدون فعل الخير. على الرغم من ذلك، هناك الكثير من المؤسسات الفاعلة التي تجد الكثير من العاملين المتحمسين، لكنها لا تملك التمويل الكافي لتشغيلهم. الأشخاص المؤهلون أكثر من غيرهم للحصول على وظائف ذات دخل مرتفع يمكنهم التبرع لهذه المؤسسات، وبهذا يمكنهم المساهمة بدرجة كبيرة وغير مباشرة.

يمكن تعريف «التكسُّب للتبرُّع» بأنه العمل في وظيفة ذات تأثير مباشر محايد أو إيجابي، والتي يكون أجرها أعلى بكثير من خيارات أخرى متاحة للشخص، ويمكن من خلالها التبرع بجزء كبير من الكسب الزائد عن الحاجة (قرابة الـ 20% إلى 50% من إجمالي المرتب) لمنظمات يرى صاحب الوظيفة أنها عالية الفاعلية.

التكسُّب للتبرُّع لا يشمل فقط هؤلاء الذين يودون العمل في أعلى المجالات منحًا للرواتب في السوق، بل يشمل أيضاً كل من يريد أن يكسب أكثر لكي يعطي أكثر. ولكن إن كنت من بين الأكثر ملاءمةً للوظائف ذات الدخل المرتفع، ربما يكون هذا التوجه من أكثر الخيارات فاعلية وتأثيراً.

فكر في قصة جوليا وجيف، زوجين من بوسطن لديهما ثلاثة أطفال. أصبح جيف من خلال علاقته بجوليا أكثر اهتماماً باستخدام وظيفته لعمل الخير. كان جيف يعمل بمنصب فني أبحاث ثم قرر أن يتدرب ليصبح مهندس برمجيات، وبعد ذلك حصل على وظيفة في شركة جوجل. مكّنهما هذا من زيادة دخلهما للضعف، وبهذا تمكنا من التبرع للجمعيات الخيرية بنصف دخلهما سنوياً.

نقلًا عن كوارتز (Quartz): جيف وجوليا حاولا إيجاد أفضل الطرق لإحداث فارق

عن طريق ذلك، استطاعا أن يحدثا تأثيراً أكبر بكثير مما إذا قررا العمل في مؤسسة غير ربحية. قارِن بين التأثير الذي أحدثه جيف والذي يحدثه المدير التنفيذي لمؤسسة غير ربحية:

مهندس برمجيات بشركة جوجلالمدير التنفيذي لمؤسسة غير ربحية
المرتب$250,000$65,000
التبرعات$125,000$0
المال المطلوب لمتطلبات المعيشة$125,000$65,000
التأثير المباشر للعملمحايدإيجابي جداً

تمكن جيف من إنفاق الضعف على معيشته مقارنةً بالعمل في القطاع غير الربحي، ومع ذلك قام بالتبرع بالمال الكافي لدفع راتب مديرَيْن تنفيذيين لمؤسسات غير ربحية. يتوقع جيف أن التأثير المباشر لوظيفته هو تأثير محايد تقريباً. كما يعتقد أيضاً أنه أصبح أكثر سعادة في وظيفته لأنه يستمتع بالعمل كمهندس.

بالإضافة إلى ذلك، يستطيع كل من جيف وجوليا أن يحولا تبرعاتهما للمؤسسات الأكثر احتياجاً للتمويل في أي وقت بناء على البحث الذي يقومان به، بينما يكون من الأصعب تغيير الوظيفة التي تعمل بها. إن هذا المستوى من المرونة مهم جداً في حال كنت غير متيقّن من أي التحديات ستكون أكثر أهمية في المستقبل.

إحداث هذا المستوى من التأثير أصبح ممكناً لأننا (كما رأينا في السابق) نعيش في عالم يعاني من تفاوت شديد في الدخول، فمن الممكن أن تحصل على أضعاف ما يحصل عليه المدرسون والعاملون في المؤسسات غير الربحية، وأكثر بكثير جداً من الناس الأشد فقراً في العالم. في نفس الوقت، يتبرع القليلون بنسب منخفضة جدًا من دخلهم. فإذا كنت تملك الإرادة للتبرع بالكثير من دخلك، يمكنك إحداث تأثير رائع في الكثير من الوظائف.

في السابق، رأينا أن أي خريج جامعي في بلد متقدم يمكنه أن يحدث تأثيراً كبيراً عن طريق التبرع بنسبة 10% من دخله لإحدى المؤسسات الخيرية الفاعلة. يحصل الخريج في المتوسط على 77,000$ سنويًا على مدار حياته، ويمكن لنسبة 10% من هذه القيمة أن تنقذ 40 شخصاً إذا أُعطيت إلى مؤسسة Against Malaria Foundation على سبيل المثال.

إذا تمكنت من زيادة دخلك بنسبة 10% فحسب، وقمت بالفعل بالتبرع بهذه الزيادة، فإنك تحقق بهذا ضعف التأثير. وإذا كنت ترى أن هناك مؤسسات أفضل من Against Malaria Foundation — ربما تركز هذه المؤسسات على مشاكل مختلفة أو يقومون بالأبحاث، أو نشر أفكار مهمة — فسيكون التأثير أكبر.

منذ أن طرحنا مبدأ «التكسُّب للتبرُّع» في عام 2011، قام الكثيرون بتطبيقه والتزموا به. يقوم البعض بالتبرع بنسبة 30% من دخولهم، ويقوم عدد أقل بالتبرع بأكثر من نصف دخولهم. جماعيًّا، سيقوم هؤلاء بالتبرع بعشرات الملايين من الدولارات لمؤسسات خيرية فعالة في السنوات القادمة. من خلال ذلك، يقوم هؤلاء المتبرعين بتمويل أشخاص شغوفين يريدون المساهمة المباشرة، والذين لا يستطيعون فعل ذلك بدون هذه التبرعات.

ماتّ، وهو أحد المتلقّين لنصائحنا في عام 2011، تبرع بأكثر من مليون دولار بينما كان ما زال في العشرينات من عمره، وظهر في تقرير بجريدة النيويورك تايمز. ووجد ماتّ أن وظيفته أصبحت أكثر إمتاعاً أيضاً.

هل ينبغي عليك التكسُّب للتبرُّع؟

إن التكسُّب للتبرع هو أكثر أفكارنا شهرة وإثارة للجدل، وجذبت الفكرة الكثير من التغطيات الصحفية في البي بي سي، الواشنطن بوست، الديلي ميل، والكثير من المؤسسات الصحفية الأخرى.

لهذا السبب، يرى الكثيرون أن هذه الفكرة تقع في أعلى قائمة توصياتنا، لكنها ليست كذلك.

نرى مبدأ التكسب للتبرع كنقطة بداية، كطريق يسلكه الكثيرون ليحققوا من خلاله تأثيراً كبيراً، تأثير يماثل إنقاذ حياة 100 شخص أو أكثر، كما أوضحنا قبل قليل.

لكننا نعتقد أيضاً أن أغلب قرائنا يمكنهم أن يحققوا تأثيراً أكبر بكثير من خلال التفكير في إحدى التوجهات الأخرى التي سنذكرها بعد ذلك. بالعموم، من بين هؤلاء الذين نتحدث إليهم فرديًّا، فإن 10% فقط ينبغي لهم أن يتكسّبوا ليتبرعوا.

في الحقيقة، فقد ترك جيف وظيفته ذات الدخل المرتفع في عام 2022 بشركة جوجل، وهو الآن باحث في Nucleic Acid Observatory حيث يبني نظام مراقبة لمياه الصرف الصحي والذي يـأمل أن يساعد على التنبؤ بالأوبئة قبل ظهورها. ما زال جيف وجوليا يتبرعان بأكثر من 30% من دخلهما — ولكن نظرًا لانخفاض راتب جيف، فإنهما يتوقعان أن يأتي معظم تأثيرهما الإيجابي من عملهما مباشرة.

متى يكون التكسب للتبرع واعدًا على وجه الخصوص؟

  • حينما تكون مؤهلاً لوظيفة ذات دخل أعلى مثل جيف حينما كان يعمل كمهندس برمجيات، ولست ملائماً في الوقت ذاته لأي من الخيارات الفعالة الأخرى. (بالتأكيد لا تعمل كمهندس برمجيات إذا كنت تكره هذه الوظيفة).
  • هناك وظيفة معنية تود أن تعمل بها بشدة لأسباب أخرى مع استطاعتك التبرع بمبالغ كبيرة. على سبيل المثال، ربما تكون شخصًا طالما تمنى أن يعمل كطبيب، أو ربما احتجت وظيفة ذات دخل عالٍ لدعم أسرتك.
  • إن كنت ترى أن الحصول على وظيفة ذات أجر مرتفع سيكون هاماً لتطوير مهاراتك (لاستخدامها في أعمال ذات تأثير مباشر فيما بعد) وسيمكنك مبدأ التكسب للتبرع من أن تقوم بإحداث تأثير بينما تطور مهاراتك في نفس الوقت. على سبيل المثال، العمل في شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا سيجعلك قادراً على تطوير مهارات بناء المؤسسات وهي مهارة مهمة لإدارة المؤسسات غير الربحية. (في المقال القادم سنقوم بشرح الأسباب الخاصة بأهمية بناء رأس مال مهني).
  • حينما تكون غير قادر على تحديد أي التحديات أكثر أهمية من غيرها. التكسب للتبرع هو خيار شديد المرونة لأنه يمكنك تغيير وجهة تبرعاتك، أو ربما ادخار الأموال والتبرع فيما بعد. (على الرغم من أن المال ليس هو الشئ الوحيد الذي يمكن إعادة توجيهه! الكثير من المهارات — من بينها ما سنذكره بالأسفل- يمكن إعادة توجيهها بسهولة بين التحديات المختلفة).
  • إذا كنت تريد الإسهام في مجال محدود التمويل أكثر من كونه محدود المواهب.

اعتراضات شائعة على مبدأ التكسب للتبرع

أليس الكثير من الوظائف ذات الدخل المرتفع مضرة؟

نحن لا نوصي بالعمل في وظائف مضرة من أجل التبرع بالمال، ولقد كتبنا مقالاً كاملاً عن السبب في ذلك.

عملياً، يعمل معظم هؤلاء الذين يتكسبون للتبرع في مجالات التقنية، إدارة الأصول، الطب، أو الاستشارات. ونعتقد أن تأثير الكثير من الوظائف في هذه المجالات يكون إما محايداً أو إيجابياً بقدر ضئيل. على سبيل المثال، يقوم الكثير من — ولكن ليس كل — المضاربين الماليين بتحقيق أرباح على حساب المضاربين الآخرين، فهم يقومون بتحريك الأموال، غالباً من أثرياء لأثرياء آخرين.

بالتأكيد، فإن بعض الوظائف ذات الدخل المرتفع تتسبب بالكثير من الأذى. أحد أهم الأمثلة الواضحة هو سام بانكمان-فرايد (Sam Bankman-Fried). قام سام بتأسيس شركة تبادل للعملات المشفرة بهدف التكسب للتبرع. في الحقيقة، قمنا بعرض قصته على موقعنا كشخص يستخدم وظيفته لإحداث تغيير، إلا أن الأمر انتهى باتهام سام بالاحتيال.

قمنا بكتابة المزيد عن سام والأذى المحتمل من العمل في وظائف ذات دخل عال. الخلاصة هي: بينما نؤمن أنه يمكنك عمل الكثير من الخير من خلال التكسب للتبرع، فإننا نؤمن أيضاً بأن إحداث الأذى من أجل تحقيق غايات سامية ليست فكرة جيدة على الإطلاق تقريبًا، حتى وإن كنت مؤمناً بأن منافع التبرعات ربما تفوق الأضرار الناتجة عن الوظيفة المضرّة.

هل يمكن للناس الالتزام بهذا الأمر على أرض الواقع؟

أليس من الممكن أن يتأثر هؤلاء الذين يتكسّبون للتبرع بأقرانهم في صرف أموالهم على الرفاهيات بدلاً من التبرع؟ كنا قلقين من ذلك حينما طرحنا الفكرة في البداية، ولكنها لم تحدث كثيراً كما يعتقد الكثيرون. يطبق المئات من الناس هذا المبدأ، وبينما تخلى آخرون عنه لاعتقادهم أنه يمكنهم عمل الخير بطرق أخرى، فللمفاجأة قام القليلون — على حسب معرفتنا — بالتوقف عن خططهم للتبرع. يعود هذا جزئياً لأن الكثيرين ممن يطبقون مبدأ التكسب للتبرع قاموا بالإعلان على الملأ عن التزامهم بخططهم للتبرع، عادة عن طريق موقع التبرع بما نستطيع (Giving What We Can). تواجد مجتمع يقوم أعضاؤه بالتكسب للتبرع يزيد من قابلية الناس للالتزام بما أعلنوا عنه.

لكنك إذا حاولت كسب كميات كبيرة من الأموال، فإن هذا يتبعه بالضرورة مخاطر أكبر: إن السلطة مفسدة. لهذا السبب، نحن قلقون أكثر بخصوص هؤلاء الذين يحاولون التكسب بأكبر قدر ممكن بغض النظر عن أي أمر آخر. نقترح دوماً الالتزام المسبق بما يمكن التبرع به، وإذا انتهى بك الحال بالحصول على الكثير من الأموال، يجب أن تضع ما يؤمن ضمان قيامك بصرف الأموال بمسؤولية. من الممكن القيام بذلك عن طريق إنشاء مجلس إدارة، أو آليات حوكمة رسمية، أو الاستعانة بمستشارين قادرين على مراقبتك. يمكنك أن تقرأ أكثر عن مخاطر الوقوع في فخ الفساد في حال العمل في مسارات وظيفية ذات دخل عال.

ماذا إن لم أكن متحفِّزاً للعمل في وظيفة ذات دخل مرتفع؟

في هذه الحالة، لا تقُم بالعمل في مثل هذه الوظائف. نحن نوصي بهذا الحل فقط إن كان ملائماً لحالتك. فقط تذكر، كما قلنا في السابق، يمكنك أن تكون مهتماً بعدد من الوظائف أكثر مما يمكنك تخيله.

لمعرفة المزيد عن كيفية التكسب للتبرع على أفضل وجه، مزايا فعل ذلك، وأبرز الحجج المضادة؛ ألقِ نظرة على مقالتنا الكاملة: كيف تتكسب لتتبرع.

التوجه الثاني: التواصل

فكر في الخيارين التاليين:

١. فعل التكسب للتبرع بنفسك. ٢. إقناع اثنين من أصدقائك بالتكسب للتبرع.

يؤدي الخيار الثاني لعمل خيرٍ أكثر، ربما يصل إلى الضعف في الحقيقة. يلقي هذا بالضوء على أهمية الوظائف المتعلقة بالتواصل.

عمل الكثير من الأشخاص الأكثر تأثيراً في التاريخ في التواصل وحملات المناصرة بطريقة أو بأخرى — إنهم هؤلاء الذين ينشرون الأفكار الهامة والحلول للمشاكل الأكثر أهمية.

فكر مثلاً بروزا باركس (Rosa Parks)، التي رفضت التخلي عن كرسيها لرجل أبيض بالحافلة، والتي أشعلت مظاهرات أدت إلى صدور حكم من المحكمة العليا يقضي بعدم دستورية مبدأ الفصل داخل الحافلات. عملت باركس كخياطة، إلا أنها كانت منخرطة بشدة بحركة الحقوق المدنية في أوقات فراغها. بعد القبض عليها عملت مع المؤسسة القومية لدعم الأشخاص الملونين NAACP بقوة واستراتيجية، حيث سهرت الليالي لإنشاء لافتات ورقية تخص حملة مقاطعة كاملة للحافلات في مدينة يقطنها 40,000 أمريكي من أصول أفريقية. في الوقت ذاته، عملت على الضغط من أجل تمرير تغييرات قانونية، مما أدى لتقدم كبير للحقوق المدنية.

عمل الكثير من الأشخاص الأكثر تأثيرا في التاريخ في التواصل والمناصرة بشكل أو بآخر، ويمكنك أن تكون مناصراً لقضاياك في أي وظيفة تحب. روزا باركس عملت كخياطة وعاملة منزلية قبل أن تنخرط للدفاع عن الحقوق المدنية.

هناك أيضاً الكثير من الأمثلة التي لا تسمع عنها، مثل فيكتور زدانوف (Viktor Zhdanov)، والذي يعتبر من أكثر الأشخاص تأثيراً في القرن العشرين.

في ذلك الوقت، قتل مرض الجدري قرابة 400 مليون شخص، وهو عدد يفوق كل الذين ماتوا في الحروب والمجاعات ذات الطابع السياسي في القرن العشرين. يعود الفضل للقضاء على المرض إلى دي.أ.هندرسون (D.A. Henderson) والذي كان على رأس برنامج مكافحة انتشار الجدري التابع لمنظمة الصحة العالمية. على الرغم من ذلك، أنشئ البرنامج بالفعل قبل عمل هندرسون به. في الحقيقة، لقد رفض هندرسون عرض الوظيفة في البداية، وكان البرنامج لينجح على أية حال لو لم يقبل هندرسون بالوظيفة.

إلا أن زدانوف قام وحيداً بالضغط على منظمة الصحة العالمية لبدء برنامج المكافحة في المقام الأول، وبدون جهوده، فلربما لم يبدأ البرنامج إلا في وقت لاحق، ولربما لم يكن ليبدأ على الإطلاق.

قام فكتور زدانوف بالضغط على منظمة الصحة العالمية لبدء برنامج مكافجة الجدري، ليبدأ البرنامج مبكراً بعدة سنوات.

لماذا يعتبر الترويج للأفكار المهمة فعالاً للغاية؟

أولاً، يمكن للأفكار أن تنتشر بسرعة، وبالتالي فإن التواصل يعدّ وسيلة مهمة لمجموعة صغيرة من الناس لتحقيق تأثير كبير على مشكلة ما. يمكن لفريق صغير أن يؤسس لحركة اجتماعية كبيرة، أو الضغط على الحكومات، أو البدء في حملة تؤثر على الرأي العام، أو حتى دعوة اصدقائهم لدعم قضية ما. في كل حالة مما سبق، يمكنهم أن يحققوا تأثيراً مستمراً أكبر بكثير مما يمكن أن يحققوه على الأرض مباشرة.

ثانياً: غالباً ما يُهمَل إيصال الأفكار المهمة بأسلوب استراتيجي وحذر، ويعود هذا لعدم وجود محفزات ربحية لنشر الأفكار الاجتماعية الهامة. عوضاً عن ذلك، يهتم بالمناصرة أولئك الذين يسخّرون وظائفهم لجعل العالم مكاناً أفضل للعيش. بالإضافة إلى ذلك، الأفكار التي يكون لنشرها التأثير الإيجابي الأكبر تكون غير مقبولة بعد على نطاق واسع. مواجهة الوضع الحالي أمر غير مريح، وربما يتطلب الأمر عقوداً طويلة لتغيير الأراء، وهو ما يعني القليل من المحفزات الشخصية لمواجهتها.

كما أن مجال التواصل هو من المجالات التي تحقق فيه أكثر المجهودات نجاحاً نتائج أكبر بكثير من المجهودات المعتادة الأخرى. المناصرون الأكثر نجاحاً يقومون بالتأثير على الملايين من الناس، بينما يعاني آخرون من عدم تمكنهم من إقناع عدد قليل من الأصدقاء. إن كنت ملائماً بشكل استثنائي للعمل في مجال التواصل، فإنه عادة أفضل ما يمكنك عمله، ولربما يعني هذا تحقيق نتائج أكثر بكثير لو قمت بهذا العمل بنفسك عوضاً عن تمويل أشخاص آخرين للعمل في التواصل والمناصرة بالنيابة عنك.

الوظائف المتعلقة بالتواصل يمكن العمل بها بدوام كامل (مثل أي وظيفة بمجال الإعلام) أو من خلال الانخراط في دور أكبر (مثل أكاديمي يعمل في إيصال العلوم) أو بجوار أي عمل آخر (كما هو الحال في حالة روزا باركس).

ربما قام بونو بالتعويض عن التأثير السيء لصوته أثناء الغناء بالعمل على نشر أفكار حول أهمية تقليل الفقر في العالم.

تعرَّف الوظائف الخاصة بالتواصل بتركيزها على نشر الأفكار على نطاق واسع، لكن يمكن أيضاً تحقيق نفس التأثير على مستوى التواصل بين الأفراد من خلال وظائف بناء المجتمعات الداعمة.

على سبيل المثال، كانت ناشطة حقوق المرأة الأمريكية سوزان ب. أنتوني (Susan B. Anthony) تكره الكتابة، بينما كانت زميلتها إليزابيث كادي ستانتون (Elizabeth Cady Stanton) وشريكتها المؤسسة في حلف النساء الموالي القومي موهوبة في التواصل، حيث كتبت كتباً مطوّلة وقامت بتحرير النشرة الأسبوعية للمؤسسة، قامت أنتوني بشكل أساسي بالتركيز على تنظيم وبناء مجتمع داعم.

قامتا سوزان ب.أنتوني وإليزابيث كادي ستانتون بالتعاون كقياديات في حركة دعم حق النساء في التصويت لقرابة الخمسين عاماً. ركزت ستانتون في مسارها المهني على إيصال الأفكار، بينما ركزت أنتوني على إدارة المؤسسات، تنظيم الفعاليات، وبناء الحركة.

ركزت أنتوني على إدارة الفعاليات، الحديث مع النشطاء، وبناء المجتمع الخاص بحركة دعم تصويت النساء في الانتخابات في الولايات المتحدة، وهو ما أدى في النهاية للتعديل التاسع عشر للدستور الأمريكي، والذي ضمن حق الانتخاب لكل النساء البالغات. ولقد أطلق عليه «تعديل أنتوني» تخليداً لجهودها.

إذا كان لديك اهتمام للسعي في مسار مهني ضمن مجال التواصل، ألقِ نظرة على مقالتنا الكاملة:

كيف تعمل في التواصل

التوجه الثالث: البحث العلمي

يعتبر الناس أن الأكاديميين ما هم إلا مثقفين يعيشون في أبراج عاجية بلا أدنى تأثير. ونحن نعترف أن هناك مشاكل بالمجال الأكاديمي تجعل الباحثين يحققون أقل مما يجب أن يحققوه. وعلى الرغم من ذلك، ما زلنا نعتقد أن البحث العلمي لديه تأثير كبير، داخل المجال الأكاديمي وخارجه.

بالإضافة إلى العاملين في مجال التواصل، فإن العديد من أكثر الناس تأثيرًا في التاريخ كانوا باحثين. يمكننا النظر في مثال آلان تورينج (Alan Turing)، والذي كان متخصصاً في الرياضيات والذي طور ماكينات متخصصة في تجاوز الرموز المشفرة والتي ساعدت فريق الحلفاء ليكونوا أكثر قدرة على مواجهة قوارب اليو بوت النازية خلال الحرب العالمية الثانية. يقدر بعض المؤرخين أن هذه الخطوة قامت بالتعجيل بتوقيت النصر الحاسم عاماً كاملاً عما إذا لم تُكتشف هذه التقنية. بما أن عدد ضحايا هذه الحرب قد وصل لعشرة ملايين في العام، فإن تورينج قام بإنقاذ حياة عشرة ملايين شخصاً على وجه التقريب.

قام تورينج أيضاً باختراع الحاسوب.

كان لتورينج دوراً هاماً في اختراع الحاسوب. ومع الأسف، حوكم بسبب كونه مثلي الجنس، والذي ربما أدى لانتحاره عام 1954.

توضح حالة تورينج أن البحث العلمي يمكنه أن يكون نظرياً وعالي التأثير في نفس الوقت. ارتبطت معظم أبحاثه بالرياضيات والحوسبة، وهي الجهود التي لم تظهر أهميتها في البداية، ولكن ظهرت هذه الأهمية فيما بعد.

على الجانب التطبيقي، رأينا الكثير من الأمثلة المتعلقة بالبحث الطبي عالي التأثير في هذا الدليل الاسترشادي في السابق.

بالطبع، لن يصبح كل الناس مثل آلان تورينج، ولا يمكن تبني كل الاكتشافات. على الرغم من ذلك، نعتقد أنه في بعض الأحيان، يمكن للبحث العلمي أن يكون ضمن أكثر الطرق لإحداث الأثر. لماذا؟

أولاً، حينما تُكتشَف أفكار جديدة، يمكن لها الانتشار بتكاليف شديدة الانخفاض، وهذه إحدى الطرق التي يمكن من خلالها أن يغير العمل الفردي مجالاً بأكمله. بالإضافة إلى ذلك، تتراكم الأفكار الجديدة بمرور الوقت، وبالتالي يساهم البحث العلمي بنصيب مهم من التغيير على المدى الطويل.

على الرغم من ذلك، يعمل جزء قليل نسبياً من الناس في البحث العلمي. يمثل الأكاديميون نسبة 0.1% فقط من السكان، وكانت النسبة أقل من ذلك بكثير على مرّ التاريخ. إذا ساهم عدد قليل من الناس بنسبة كبيرة من التقدم، فإن مساهمة كل شخص في المتوسط تحدث فارقاً.

ثانياً، إذا كنت فعلاً تحرص على إحداث أثر مجتمعي أكثر من الحصول على الأرباح، فستكون لديك فرص أعلى من الأغلبية، وذلك بسبب قلة المحفزات المالية لعمل أبحاث ذات أهمية حقيقية. الغالبية العظمى من الباحثين ليسوا أغنياء على الرغم من الأهمية الشديدة لاكتشافاتهم. تورينج لم يحقق أي كسب من اختراع الحاسوب، بينما وصلت قيمة الصناعة اليوم لمليارات الدولارات، لأن فوائد البحث العلمي تظهر على المدى الطويل في المستقبل، ولا يمكن حماية ملكيته ببراءات الاختراع عادةً.

في الحقيقة، كلما كان البحث جذرياً، كلما ازدادت صعوبة جعله مربحاً. مع ثبات كل المؤثرات الأخرى، فإننا نتوقع أن الأبحاث الجذرية مُهملة أكثر من الأبحاث التطبيقية، وبالتالي لديها تأثير أعلى. على صعيد آخر، إن الموضوعات التطبيقية تكون أكثر استعجالاً — فالاكتشافات التطبيقية الجبارة مثل الميكروسكوب تمكننا من تحقيق اكتشافات جذرية بشكل أسرع — وبذلك يكون من الصعب أن نجزم ما إذا كان للبحث العلمي التطبيقي أو الجذري أهمية على الآخر في العموم.

نظرياً، يمكن للبحث العلمي أن يحقق تأثيراً هائلاً، لكن هل يساهم البحث العلمي في حل المشكلات العاجلة التي تواجه العالم اليوم؟

نعتقد أن هذا يحدث بالفعل. حينما ترى أكثر المشكلات التي نُعنى بها، — مثل الوقاية من حدوث الأوبئة المتوقع حدوثها في المستقبل أو تقليل مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي، يقول الكثيرون أنهم مقيّدون بسبب احتياجهم لمزيد من الأبحاث.

على سبيل المثال، يمكن للبحث العلمي أن يساعدنا لتطوير وسائل لتقليل الوقت المستغرق للانتقال من مرحلة التعرف على مسببات مرض جديد (Pathogen) إلى مرحلة وجود لقاح آمن وواسع الانتشار. في مثال آخر، من الممكن أن يساعد البحث التقني المتعلق بتعلم الآلة في بناء آليات حماية لأنظمة الذكاء الاصطناعي للوقاية من السلوكيات الخطرة. للاطلاع على مزيد من الأفكار، ولفهم نبذة عن المجالات المختلفة التي يمكن لك العمل بها، ألقِ نظرة على هذه القائمة الخاصة بالأسئلة البحثية التي قد تكون عالية التأثير، منظمة بحسب التخصص.

كما هو الحال في التواصل، يكون البحث العلمي خياراً واعداً كلما زادت ملاءمتك له. لأن أفضل الباحثين يحققون نجاحات أكثر بكثير من الوسيط الحسابي. معظم الأوراق البحثية يُستشهد بها لمرة واحدة فحسب، بينما يصل معدل تحظى أفضل 0.1% ورقة بأكثر من 1,000 استشهاد. حينما قمنا بعمل دراسة حالة تخص البحث في الطب الحيوي، وجدنا الكثير من النتائج المبهرة كما هي النتيجة التالية:

«يمكن لشخص واحد جيد أن يملأ فراغ خمسة أشخاص، وأنا لا أبالغ»

إذا كنت تستطيع أن تصبح من بين أكثر 20% من الباحثين الأعلى أداء في العالم في مجال مرتبط بأكثر المشاكل العاجلة في العالم، لربما يكون البحث العلمي من بين أفضل خياراتك تأثيراً. ولو كان أداؤك استثنائياً في إحدى التخصصات الأكاديمية (ربما كنت من نخبة النخبة)، فربما عليك التفكير في هذا التوجه بجدية حتى وإن لم تستطع رؤية الفائدة الكاملة الآن وفي هذه اللحظة.

كما رأينا سابقاً، استطاع د. نالين أن ينقذ حياة الملايين بابتكار بسيط للغاية: إعطاء مرضى الإسهال القليل من الماء المخلوط بالسكر والملح.

بينما تُجرى الكثير من الأبحاث داخل الوسط الأكاديمي، هناك وظائف بحثية في أماكن أخرى. على سبيل المثال، تطور الكثير من الشركات الخاصة تقنيات مهمة للغاية — مثل بيونتك (BioNTech) التي اشتهرت بتطوير لقاح لجائحة كوفيد-19.بينما تجري بيوت الخبرة (Think Tanks) الكثير من الأبحاث المهمة المتعلقة بالسياسات عادةً.

مثال: كان نيل يكمل دراسته الجامعية في الرياضيات حينما قرر أن يتخصص في أمان الذكاء الاصطناعي. استطاع فريقنا ربط نيل بباحثين في هذا المجال وساعدناه للحصول على تدريب مهني في مجموعات بحثية أكاديمية وأخرى خاصة بالصناعة. ساعده ذلك على أن يرى في هذا المجال مساراً مهنياً واضحاً على الرغم من شكوكه حيال طول الأمدية (Longtermism)، فالذكاء الاصطناعي يمثل خطراً كبيراً على الناس في عالمنا اليوم. لم ير نيل نفسه ملائماً للمسار الأكاديمي — لأنه يكره كتابة الأوراق البحثية — وبالتالي تقدم للعمل في معامل ذكاء اصطناعي ذات طابع تجاري. ويعمل الآن كمهندس باحث في شركة DeepMind. ويعمل كباحث في مجال التفسير الميكانيزمي (Mechanistic Interpretability) والذي يرى أنه يمكن من خلاله أن يساعد في المستقبل للتعرف على آليات الذكاء الاصطناعي الخطرة قبل إحداث أية أذى.

ألقِ نظرة على دليلنا الكامل لعمل أبحاث عالية التأثير، سواء داخل الأوساط الأكاديمية أو خارجها:

كيف تنطلق في مجال الأبحاث

لا تنس الوظائف الداعمة

ربما لا تبدو وظيفة المشرف الأكاديمي مساراً عالي التأثير، ولهذا السبب هي كذلك بالفعل. يتطلب البحث العلمي مشرفين، مديرين، موفّري المنح، ومتخصصي تواصل ليحقق تقدماً. تتطلب معظم هذه الوظائف أشخاصاً بمهارات عالية وعلى معرفة بالبحث العلمي. ولكن لأن وظائفهم ليست بالمبهرة ولا تعطي مرتبات كبيرة، يكون من الصعب اجتذاب الأشخاص الملائمين. ولهذا السبب، إذا كان دوراً كهذا ملائماً لك، فمن الممكن أن يكون هذا مساراً فعالاً. ما يهم في النهاية هو إتمام البحث، وليس من يقوم به.

أحد أبطالنا هو شون أوهيكيرتيغ (Seán Ó hÉigeartaigh) الذي حصل على درجة الدكتوراة في علم الجينوم المقارن لكنه قرر في النهاية أن يتخصص في إدارة المشروعات الأكاديمية. أصبح مديراً لمعهد مستقبل الإنسانية (Future of Humanity Institute) والذي يتخصص في الأبحاث المهمَلة في المخاطر الوجودية الصاعدة، مثل المخاطر الناتجة عن الذكاء الاصطناعي والجائحات المخلقة. قام بجهود جبارة من وراء الكواليس ليستمر العمل في المؤسسة بعد زيادة التمويلات بتصاعد هائل. وحينما حانت الفرصة لإنشاء مجموعة بحث جديدة في جامعة كامبريدج — استغل خبرته ليقود الجهود هناك أيضاً — وفي وقت معين تمكن من قيادة المجموعتين معاً. كان من الممكن أن يشهد المجال تقدماً بطيئاً لولا جهوده.

إن كنت مهتماً بمثل هذه المناصب، فإن المسار الأفضل عادةً هو الحصول على درجة دكتوراة، واختيار مجال معين، من ثم التقديم للعمل معمجموعات بحثية. إذا كنت تريد للأبحاث الرائعة أن تتم، لابد أن يكون لديك مزيجاً من المعرفة بالمجال بالإضافة إلى المهارات العملياتية. يمكنك التعرف هنا على الوظائف الخاصة بإدارة الأبحاث.

التوجه الرابع: الحكومة والسياسات

حينما نتحدث عن المسارات المهنية التي تؤدي لعمل الخير، ربما لن يقفز ذهننا أولاً لأن نصبح موظفين حكوميين بيروقراطيين هامشيين. ولكن كبار موظفي الحكومة يشرفون عادة على ميزانيات بعشرات أو حتى مئات الملايين من الدولارات. إذا كنت تستطيع أن تدير هذه الميزانيات لإنفاقها بفعالية أكبر ولو بنسبة قليلة، فإن قيمة مجهوداتك ستعادل الملايين من الدولارات الإضافية التي صُرفت بكفاءة أعلى على هذه البرامج. وبشكل أكبر، فإن نطاق التأثير من خلال المناصب الحكومية من الممكن أن يكون شديد الضخامة.

على سبيل المثال، أرادت سوزي دستر (Suzy Deuster) أن تعمل محامية عامة لتضمن أن الأشخاص المهمشين قادرين على الحصول على المساعدة القانونية. أدركت سوزي أنه بإمكانها تحسين العدالة الجنائية لمئات من الأشخاص تقريباً خلال مسيرتها المهنية. ولكن من خلال تغيير السياسات، من الممكن أن تحسن من النظام القضائي ليستفيد منه الآلاف وربما الملايين. حتى لو كان التأثير الواقع على كل شخص أقلّ من سابقه، فإن هذه الأرقام مجتمعة تمكنها من تحقيق تأثير أكبر. استطاعت سوزي أن تستخدم خلفيتها القانونية لتبدأ العمل في الحكومة، وتعمل الآن في المكتب التنفيذي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية لإصلاح العدالة الجنائية. ومن هذا المنصب يمكنها استكشاف سبل أخرى للعمل في السياسات في المستقبل.

تكمن أهمية العمل الحكومي في قدرته على التعامل مع الكثير من القضايا التي نوصي الناس بالعمل عليها، لأن المؤسسات الحكوميةهي الوحيدة التي تضع وتطبق القوانين والقواعد.

على سبيل المثال، يمكن للحكومات فقط أن تمنع استخدام الأقفاص المدعومة بالبطارية للدجاجات التي تضع البيض.

يمكن للحكومات أيضاً العمل على حل المشاكل المتعلقة بالتنسيق والتي يصعب على الأفراد حلها. حينما حلت جائحة كوفيد-19، كانت تقنية تتبع العدوى والاختلاط مهمة لتقليل سرعة انتشارها، ولكن لم يكن من مصلحة أي من الأفراد أن يشاركوا بأنفسهم في ذلك. تدخلت الحكومات لتقديم هذه الخدمات، لإفادة المجتمع ككل.

المناصب المتعلقة بالعمل في الحكومة وصناعة السياسات تتطلب مجموعة واسعة من المهارات، وبالتالي فهناك خيارات عالية التأثير للجميع تقريباً.

تصفح دليلنا الكامل لمسارات العمل في الحكومة والسياسات:

كيف تنطلق في مسارات الأعمال الحكومية والسياسات

التوجه الخامس: بناء المنظمات

حينما يفكر الناس في الوظائف التي تؤدي إلى «عمل الخير»، فإن أول شيء يفكرون به هو العمل في المؤسسات الخيرية.

المشكلة أن الكثير من الوظائف في المؤسسات الخيرية لا تحقق تأثيراً كبيراً.

تركز بعض هذه المؤسسات على برامج لا جدوى منها، مثل سكيرد سترايت (Scared Straight) والتي جعلت الأطفال يرتكبون عدداً أكبر من الجرائم. تركز المؤسسات الأخرى على سبل مساعدة غير فعالة، مثل سوبرمان الذي يحارب المجرمين واحداً تلو الآخر، أو د. لاندستينر لو ركّز على عمليات جراحية بدلاً من عمله على اكتشاف فصائل الدم.

تظهر مشكلة أخرى وهي أن الناس تود العمل في مؤسسات مقيدة بالتمويل أكثر من التقيد بعدد الأشخاص المتحمسين للعمل بها. وهذا يعني أنك لو لم تعمل بهذه الوظيفة، فستجد المؤسسة بكل سهولة شخصاً بنفس إمكانياتك لشغلها. فكر في محامٍ متطوع في مطبخ خيري لعمل الطعام. ربما تمثل الوظيفة حافزاً له، لكنها بالكاد أكثر شئ فعال يمكنه القيام به. التبرع بمقدار ساعة أو اثنتين من راتبه من الممكن أن تقوم بدفع مرتب أشخاص عديدين آخرين للقيام بالعمل بدلاً منه. يمكنه أيضاً التطوع لتقديم الاستشارات القانونية المجانية ويساهم بطريقة فعالة للاستفادة من مهاراته القيّمة.

على الرغم من ذلك، هناك الكثير من المواقف الأخرى التي يكون فيها العمل في منظمة غير ربحية فعالاً.

يمكن للمنظمات غير الربحية أن تعمل على قضايا لا تستطيع المؤسسات الأخرى العمل عليها. يمكنهم إجراء أبحاث لا تجتذب الاهتمام الأكاديمي أو يقوموا بعمل المناصرة السياسية بالنيابة عن المجموعات المستضعفة مثل الحيوانات أو الأجيال القادمة، ويمكنهم تقديم خدمات لا يمكن لها أن تكون مربحة في السوق.

وهناك الكثير من المنظمات غير الربحية التي تقوم بأعمال عظيمة والتي تحتاج أشخاصاً أكثر للعمل بها وتقديم العون في بنائها وتوسيع أعمالها. وهناك الكثير من المجالات الأكثر تخصصاً وكثيراً ما تكون شاغرة، وبالتالي نحن بحاجة إلى مزيد من المنظمات غير الربحية للعمل عليها.

بشكل عام، تقديم المساعدة لبناء المنظمات قد يمثل طريقاً لعمل مساهمة كبيرة، لأن المؤسسات تتيح لمجموعات كبيرة من الناس التنسيق فيما بينها، وبالتالي تحقيق تأثير أكبر من لو قاموا بالعمل فردياً. بالإضافة إلى ذلك، يمكنك المساعدة في بناء مؤسسة فعالة أو إطلاقها، ويمكن لها أن تستمر بإحداث التأثير حتى بعد رحيلك منها.

يمكنك أيضاً أن تساعد في جعل مؤسسة فاعلة وموجودة بالفعل أكثر فاعلية، ويمكن أن يكون هذا طريقاً آخر لإحداث تأثير كبير.

انضمت كلير إلى مشروع القضاء على التعرض للرصاص Lead Exposure Elimination Project (LEEP) كثالث عضو في المشروع. واعتقدت أن الانضمام للمؤسسة قد يساعد في بناء رأس مالها المهني — بالذات فيما يخص علاقاتها المهنية ومهاراتها — وبشكل أكثر أهمية، فإن القضاء على التعرض للرصاص في البلاد ذات الدخل المنخفض والمتوسط يعدّ من المشكلات المهمة، والقابلة اللحل، كما أنها مهمَلة جداً. منذ انضمامها، طورت كلير برامج المؤسسة وأدارت الفريق الذي ينفّذ هذه البرامج، بالإضافة إلى قيادة عملية التوظيف للأعضاء الجدد العاملين في مناصب جوهرية في فريق العمل. منذ ذلك الوقت، استطاعت المنظمة العمل مع الحكومات والقطاعات المختلفة في 16 دولة، كما نجحت بالضغط على الحكومة في ملاوي لمراقبة مستويات الرصاص في الدهانات.

إن هذه المؤسسات لا تحتاج لأن تكون غير ربحية — من الأفضل لبعض المشاريع ذات البعد الاجتماعي أن تكون تجارية، ومن الممكن أن يشمل ذلك بيوت الخبرة الفكرية (Think Tanks)، المجموعات البحثية، مجموعات الضغط والمناصرة، وهكذا.

على سبيل المثال، تقوم Send Wave بتمكين العاملين الأفارقة من تحويل الأموال لعائلاتهم من خلال تطبيق على الهاتف مقابل الحصول على رسوم بنسبة 3% فقط، بدلاً من 10% التي تحصل عليها شركة ويسترن يونيون. وبذلك،، تجعل الشركة بعض أكثر الناس فقراً في العالم يمتلكون بضعة دولارات إضافية مقابل كل دولار متحصَّل. خلال ثلاث سنوات، من الممكن أن يحققوا تأثيراً مساوياً للتبرع بملايين الدولارات، وقامت الشركة بالتوسع بشكل أكبر منذ ذلك الوقت. إن إجمالي قيمة السوق تصل إلى مئات المليارات من الدولارات — وهو أضعاف كل مستويات إنفاق المساعدات المالية الأجنبية. لو استطاعت الشركة الاستمرار في تسريع عرض طرق رخيصة لتحويل الأموال، فسيكون لها تأثير كبير.

استطاع لنكولن أن يؤسس شركة ربحية تفيد منتجاتها أشد الناس فقراً في العالم.

إن الوظائف المتعلقة ببناء المنظمات ملائمة للناس الذين يمكنهم تطوير مهاراتهم في مجالات من قبيل إدارة العمليات، إدارة الموارد البشرية، تحصيل التمويل، المهام الإدارية، أنظمة البرمجيات، والإدارة المالية.

سلك هذا المسار يعني بالعادة أولاً التركيز على بناء بعض من هذه المهارات (والتي يمكن تطويرها في أي مؤسسة مؤهلة) ومن ثم استخدام هذه المهارات للمساهمة في بناء المؤسسات التي تعتبرها ذات التأثير الأكثر فعالية.

لكي تجد مؤسسات ذات تأثير، فكر في تحديد أي المشاكل العاجلة هي الأكثر إلحاحاً،حاول أن تحدد أفضل المؤسسات التي تعمل على حل هذه المشاكل. (في ملفّنا الخاص بالمشاكل، نقدم قائمة بالمؤسسات التي نوصي بها لكي تتكون لديك بعض الأفكار، أو يمكنك مطالعة هذه القائمة.) في النهاية، حاول أن تحدد المؤسسات التي هي في حاجة ماسة لمهاراتك والوظيفة التي أن تلائمك بشكل كبير.

شاهد دليلنا الكامل حول وظائف بناء المنظمات:

كيف تعمل على بناء المنظمات

أو تصفح لوحة الوظائف المتاحة الخاصة بنا

ماذا لو كنت تريد تأسيس منظمة بنفسك؟

من الأخطاء الشائعة التي يقوم بها الأشخاص هي محاولة بناء مؤسسة وهم جالسون على كراسيهم، أو اختيار العمل على مشكلة واجهتهم في حياتهم.

عوضاً عن ذلك، تعرف على المشاكل الاجتماعية الكبيرة والمهملة. احصل على وظيفة في هذا المجال، قم بدراسته، وتحدث مع الكثير من الناس العاملين على نفس المشكلة لتعرف ما الذي يحتاجه العالم بالفعل. من المهم أن تقترب من حدود هذه المشكلة قبل أن تبدأ في ملاحظة الأفكار التي لم يتطرق إليها أحد، وقم بتكوين العلاقات التي ستحتاجها لتنفيذ هذه الأفكار. يمكنك أن تتعرف أكثر على ملفّنا الكامل حول تأسيس منظمات مؤثرة.

أفكار أكثر لمسارات مهنية مؤثرة

لا ننوي من خلال هذه القوائم أن تكون شاملة. هناك الكثير من الخيارات الفعالة غير المشمولة في هذه القوائم.

على سبيل المثال، المؤسسات العاملة على الوقاية من الكوارث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمحاطر البيولوجية هي حتماً في أمس الحاجة للخبراء المتخصصين في أمن المعلومات. لا يوجد الكثير من خبراء الأمن المعلوماتي المدربين أصلاً، والقليل منهم يقوم باستخدام وظيفته من أجل حل المشاكل العاجلة.

للاطلاع على قائمة مطولة للأفكار (والتي لا تعدّ شاملة لجميع المسارات حتى الآن)، يمكنك متابعة صفحتنا الخاصة بمراجعات الوظائف.

كلمة تحذيرية حول السلطة، الأذى، والفساد

سام بانمان-فرايد (Sam Bankman-Fried) أسس منصة تداول العملات المشفرة FTX وكان هدفه المعلن هو التكسب للتبرع. وأصبح الشخص الأكثر ثراء في العالم في سن تحت الثلاثين. وقام بالتبرع بمبالغ ضخمة لقضايا هامة. عرضنا قضيته في السابق في موقعنا كمثال إيجابي لشخص يعمل في مسار مهني مؤثر.

يواجه سام الآن أحكاماً قضائية بالنصب. انهارت شركته وأعلنت إفلاسها، وفقدت المليارات من الدولارات الخاصة بأموال العملاء.

تسبب هذا في الكثير من الأذى للمودعين الأفراد وللمجتمع، من خلال الأموال الضائعة وأيضاً من خلال الأذى غير المباشر المتعلق بالنشاط الإجرامي. ربما أدى ذلك أيضاً إلى الإضرار بسمعة القضايا التي كان يدعمها ولفكرة التكسب للتبرع بشكل عام. فيما يخصنا، شعرنا بالخيانة والاضطراب عندما اكتشفنا ما حدث، وشعرنا بالخزي لترويجنا السابق له. يمكنك الاطلاع على الصفحة الخاصة بالأخطاء التي قمنا بارتكابها.

يبدو الآن أنه حتى لو أقنع سام نفسه أن العائد يبرر المخاطرة، فإن هذه الفكرة كانت خاطئة تماماً.

كيف يمكن أن يهمك ذلك؟ كل من المسارات الخمس التي قمنا بمناقشتها في هذا المقال تعرض سبلاً لزيادة ما يمكن أن تساهم به في حل مشكلة ما.

ولكن بشكل عام، كلما زادت قدرتك على المساهمة، كلما زادت قدرتك على إحداث الأذى — إما من خلال ارتكاب خطأ كبير، دعم القضايا الخاطئة، أو التصرف بشكل لا أخلاقي.

بالإضافة إلى ذلك، كلما زادت قدرتك على تغيير العالم، ربما تجد في طريقك مغريات أكثر للتصرف بشكل سيء. «السلطة مفسدة» هي جملة معتادة ومكررة لسبب وجيه.

من الصعب تخيل ذلك إذا كنت في بداية مسيرتك المهنية، ولكن لو وصلت لموقع سلطة في الحكومة، أو في إدارة مؤسسة كبيرة، وبدرجة من الشهرة أو بكثير من المال، ربما قد تواجه مواقفاً يعرّضك فيها التصرف الأخلاقي إلى خطر فقدان تأثيرك الكبير — مثل السياسي الذي يكذب للاستمرار في منصبه. يمكن أن يحدث هذا أيضاً حتى حينما لا تكون في الأصل ساعياً للوصول للسلطة من أجل منفعتك الشخصية.

ربما تواجه أيضاً مقايضات أخلاقية صعبة، مثل العمل في مناصب تعتقد أن بها بعضاً من الأذى من أجل تحقيق تأثير إيجابي قد يغطي الأضرار فيما بعد.

كلما كان لديك نفوذٌ أكبر، كلما زادت صعوبة اختلاف الناس معك، لأنهم سيخافون من عواقب ذلك الاختلاف، وبالتالي ستقل قدرتك على اتخاذ قرارات جيدة في أشد أوقات احتياجك لذلك.

العمل على القضايا المهمة، غير المعتادة، والمهمَلة تزيد من حساسية الوضع، لأنك لو ارتكبت خطأً ما، فستقوم بتعطيل أمور أكثر أهمية. وبما أن القليل من الأشخاص فحسب يعملون على حل تلك المشكلة، فإن مدى الأذى المحتمل سيكون أكبر بأضعاف مضاعفة.

أحد النقاط الأساسية التي نوصي بها في العموم هي ألا تعمل في وظائف ترى أنها مؤذية من أجل تحقيق تأثير أفضل في المستقبل. تحدثنا عن ذلك سابقاً في القسم الخاص بالتكسب للتبرع، ولكن من الممكن أن يحدث هذا في أي توجه آخر تختاره.

هناك الكثير من الأشياء التي يمكن مناقشتها عن هذه الأنماط، حيث نقوم باستكشافها بتعمق أكبر في سلسلة مقالاتنا المتقدمة:

  • كيف يمكن أن تتجنب جعل الأمور أكثر سوءاً دون قصد
  • لماذا لا يجب عليك القيام بتصرفات مؤذية من أجل تحقيق أشياء إيجابية للصالح العام
  • العادات اللطيفة والتعاون
  • تجنب الفساد في التكسب للتبرع
  • ما هو تعريف التأثير الإجتماعي

يعتبر هذا أيضاً سبباً آخر لبناء شخصية جيدة كجزء هام لبناء رأس المال المهني، وهو المقال القادم.

ما هو التوجه السليم بالنسبة لك؟

رأينا أنه من خلال التفكير الموسع، فإن التكسب للتبرع، التواصل، البحث العلمي، الحكومة والسياسات، وبناء المؤسسات، كلها وسائل متعددة لتحقيق مساهمة كبيرة في حل المشاكل العاجلة.

إذا أردت الاختيار من بين هذه التوجهات العامة، فكيف ستختار؟

أهم شيء هو مدى ملاءمتك لكل توجه. يمكن لأي من هذه التوجهات أن يشكّل مساراً مهنياً مؤثراً لو أنك ملائم له.

في هذا المقال، هناك مبدأ أساسي من مهم أن يؤخذ في الاعتبار: أكثر الناس نجاحاً في مجال معين يحققون تأثيراً أكبر بكثير من الفرد العادي. على سبيل المثال، وصلت دراسة مفصلية للعاملين من ذوي الخبرة إلى النتيجة الآتية:

يمثل القائمون بالجزء الأكبر من العمل في أي مجال النسبة الأقل من العاملين به. بشكل عام، يعود الفضل لأعلى 10% من العاملين في أي مجال بما نسبته 50% من المساهمات، بينما يقدم أقل 50% إنتاجاً من العاملين ما يعادل 15% فقط من المساهمات من إجمالي العمل. أي أن أكثر المساهمين إنتاجاً يفوق الأقل إنتاجاً بما يعادل 100 ضعف.

كما شاهدنا فيما يخص اختيار التحديات، يعني ذلك أن التوجه الأكثر فاعلية لك هو التوجه الذي تشعر فيه بالمتعة والتحفيز المستمر، كما أنه يكون ملائماً لمهاراتك.

في بعض الأحيان، نواجه أشخاصاً منجذبين للعمل في وظائف يكرهونها من أجل تحقيق التأثير. هذه فكرة سيئة في الغالب، لأنها ستصل بالشخص للاحتراق النفسي. وستكون حالة هذا الشخص غير مشجعة للآخرين للالتحاق بوظائف تؤدي لإحداث تأثير.

إن الموظف الممتاز الذي يعمل في جمعية خيرية سيقوم بعمل الخير بشكل أكثر فعالية من مهندس برمجيات متواضع الموهبة يتكسب ليتبرع، والعكس أيضاً صحيح.

سنتناول أهمية الملاءمة الشخصية وكيفية اكتشاف طبيعة الوظيفة الأكثر ملاءمة لك في مقال لاحق من هذه السلسلة.

لا تشعر بالقلق لو ما زلت غير متأكد — فهذا طبيعي. إيجاد الوظيفة الملائمة يستغرق العديد من السنوات. إذا كنت في بداية مسيرتك المهنية، لا توجد مشكلة في وجود أفكار مبهمة حول أهدافك، يمكنك جعل هذه الأفكار محددة أكثر بمرور الوقت.

وبينما نعتبر الملاءمة الشخصية مهمة، فإنه من المهم ألا تحدّ من خياراتك بالتركيز الشديد في مرحلة مبكرة. فمثلما رأيت في السابق، يقلل الأشخاص من مدى سهولة اهتمامهم بوظائف جديدة. من المهم أن تقوم باستكشاف خياراتك بتوسُّع لكي تعطي نفسك الفرصة للاهتمام بتوجهات جديدة، ثم تقوم بالتركيز على الأشياء التي تسير بشكل جيد.

أنت في غير الحاجة لتقييد نفسك بخلفياتك، فمدة 80,000 ساعة مدة طويلة، ولذلك لديك الوقت الكثير لتعلم مهارات جديدة.

وبعيداً عن الملاءمة الشخصية، فإنه لا يوجد توجه واحد لكل مشكلة. يمكنك التركيز على التوجهات التي تحتاجها القضايا العاجلة التي تود حلها. على سبيل المثال، لا يحتاج سرطان الثدي لحملات مناصرة من أجل رفع الوعي، لأن الكل يعلم أن سرطان الثدي مشكلة. عوضاً عن ذلك، ربما تحتاج هذه المشكلة لباحثين لديهم مهارات لتطوير علاجات أفضل. إذا قمت بالتركيز على رفع الوعي فقط، فإن جهودك لن تكون مؤثرة. نحن نحاول أن نلقي الضوء على المهارات التي يحتاجها كل مجال في ملفات المشاكل.

لابد أيضاً أن تعلم أن هذه التوجهات ليست متعارضة، ويمنك سلك أكثر من توجه في نفس الوقت. على سبيل المثال، يساعد المدرس طلابه (تأثير مباشر)، لكنه من الممكن أن يطور طرق تعليمية (من خلال البحث)، أو أن يخبر طلابه عن أكثر المشاكل العاجلة (التواصل). نحن نعلم أن هناك مدرسون يقومون بإعطاء الدروس الخصوصية من أجل التبرع بشكل أكبر (التكسب للتبرع). كما رأينا، يكون تأثيرك متعلق بكيفية استفادتك من وظيفتك أكثر من الوظيفة نفسها.

خاتمة: أي الوظائف تمكّنك من تقديم المساعدة القصوى؟

هناك سبل لمساعدة الآخرين أكثر بكثير مما نتحدث عنه في الغالب. إلتون جون (Elton John) بدأ مسيرته كمغنٍّ وقام بإنقاذ حياة الآلاف من خلال مبدأ التكسب للتبرع. عملت روزا باركس (Rosa Parks) كخياطة، وساعدت في قيام حركة الحريات المدنية في أمريكا من خلال حملات التواصل والمناصرة. ألان تورينج (Alan Turing) عمل في الرياضيات وساعد في إنهاء الحرب العالمية الثانية من خلال البحث العلمي، بالإضافة إلى اختراع الكمبيوتر.

لا يولد معظم الناس كنجوم روك، ولكن حتى من خلال الحصول على راتب معتاد لخريج جديد، يمكن لأي شخص أن يكون لديه تأثير كبير من خلال التكسب للتبرع. ومن الممكن أن تقوم بجهود أكبر من خلال التواصل، البحث العلمي، الحكومة والسياسات وبناء المنظمات.

من خلال توسيع نطاق الخيارات التي تفكر فيها، من الممكن أن تجد مساراً لا يؤدي فقط لتأثير أكبر، لكن أكثر ملاءمة وإرضاءً أيضاً.

بهذه الطريقة، حتى لو لم ترد أن تصبح طبيباً أو مدرساً، من الممكن أن تقوم بعمل خير أكبر بكثير من خلال وظيفتك بشكل أكبر مما تتخيل.

طبق هذا على مسيرتك المهنية

قبل أن نمضي للأمام، قم بعمل قائمة قصيرة بالمسارات المهنية ذات التأثير الكبير التي يمكن أن تعمل عليها على المدى الطويل. هذه بعض الطرق لتوليد أفكار:

  1. اقرأ عن كل توجه في هذا المقال. حاول توليد فكرتين أو ثلاث أفكار لمسارات أكثر تحديداً في كل توجه والتي من الممكن أن تكون ملائمة لك وتناسب معاييرك الشخصية الأخرى.
  2. خذ قائمتك الخاصة بالمشاكل العاجلة التي قمت باختيارها سابقاً. ما أكثر الأمور التي تحتاجها هذه المشاكل؟ هل يمكنك التفكير في أي مسار مهني مناسب لك لكي يساعد في حل هذه الاحتياجات؟
  3. اطلع على قائمتنا الخاصة بمراجعات المسارات الوظيفية ودوِّن الأفكار الجديدة من هناك.
  4. هل تعلم شخصياً في أي التوجهات ستنجح؟ أو ما هي التوجهات المميزة والنادرة المتاحة لك فقط؟ قم بإضافتها للقائمة.
  5. تخيل يوم عملك المثالي، ساعة بعد ساعة. ما هي الوظائف التي تناسب ذلك؟ ما هي الوظائف التي من الممكن أن تعمل بها لو لم يكن المال عائقاً؟ أو لو كان لديك 10 سنوات فقط للعيش؟ هل تعطيك هذه الأسئلة أي تصورات عن مسارات مهنية مستقبلية أكثر إشباعاً على المدى الطويل؟

في هذه المرحلة، يكون الهدف متحموراً فقط حول الوصول لخيارات أكثر. سنشرح في مقالات قادمة كيفية تقليل الخيارات.

في مرحلة توليد الخيارات، عليك أن تضع في قائمتك خيارات أكثر وليس أقل. بالتحديد، نتحدث عادة مع أشخاص يفكرون فقط في الوظائف المتعلقة بخبراتهم السابقة، وهذا خطأ. على سبيل المثال، ليس بالضرورة أن يكون تخصصك الدراسي متعلقاً بالسياسة للعمل في الحكومة وصناعة السياسات.

من الممكن الحصول على وظيفة في مكان ما بدون خبرات معينة، وحتى لو أدى ذلك إلى الاحتياج لبضع سنوات من أجل تحويل المسار، فهذا ثمن معقول جداً بالنظر إلى حياتك المهنية بأسرها. هذا مهم جداً خاصة إن كنت ما زلت طالباً جامعياً — فدراستك الحالية لها تأثير محدود على ما يمكن عمله في المستقبل.

ملخص لما مر معنا حتى الآن في الدليل الاسترشادي للمسارات المهنية

في السابق، قمنا بتعريف الوظيفة الممتعة والمُرضية بأنها:

  • تساعد الآخرين
  • لديك المهارة اللازمة للقيام بها
  • تتوفر فيها الأوضاع الجيدة مثل (العمل الذي يشجع على الانخراط والتفاعل، زملاء داعمين، تتلاءم مع بقية جوانب حياتك)

كما قمنا أيضاً بتعريف الوظائف الأكثر مساعدة للآخرين بأنها:

  1. تركز على أكثر المشاكل إلحاحاً — أي المشاكل الكبيرة في نطاقها، المهمَلة، والقابلة للحل — كما شرحنا هنا.
  2. تأخذ توجهاً يساعدك في إحداث مساهمة كبيرة، مثل البحث العلمي، التواصل، التكسب للتبرع، الحكومة والسياسات، وبناء المؤسسات. هذا ما تناولناه في هذا المقال.
  3. تمدك بفرصة للتميز. سوف نشرح في المستقبل كيف تعمل على إيجاد الوظائف الأكثر ملاءمة لك.

هل يجب عليك التضحية لعمل الخير؟

يتساءل الناس عادة عما لو يتوجب عليهم التضحية بما يستمتعون به من أجل إحداث تأثير أكبر. كما تحدثنا في السابق، عمل الخير يتطلب تضحية أقل مما يبدو في البداية. الوظيفة التي تحقق الإشباع الذاتي يمكن أن تساعد من خلالها الآخرين لأن المساعدة في حد ذاتها تحقق الإشباع. الوظيفة ذات التأثير الكبير لابد أن تكون مشبعة بشكل شخصي، لأنك لو لم تحب وظيفتك، فلن تكون جيداً فيها وستصل بك للاحتراق المهني. فهناك تداخل كبير بينهما.

رأينا أيضاً الكثير من الطرق لتحقيق تأثير كبير، وكثير من هذه السبل لن تتطلب تضحية. وبدلاً من تقديم التضحيات، فإن أهم الأشياء هو التركيز على إيجاد هذه الطرق الناجحة لإحداث التأثير.

ولكن هذا لا يعني عدم وجود تنازلات على الإطلاق. من غير المحتمل أن تكون الوظيفة الأكثر نفعاً لك شخصياً هي بالضرورة الوظيفة التي تحدث أكبر تأثيرٍ في العالم. في النهاية، سوف تضطر لاتخاذ قرار للموازنة بين مساعدة الآخرين وتحقيق مصالحك الشخصية. لكن لحسن الحظ، التنازلات والمقايضات أقل مما يبدو في البداية.

كيف أضع نفسي في أفضل موضع للحصول على وظيفة ذات تأثير عالٍ؟

يمكن لبعض الناس بأن يلتحقوا بوظيفة أحلامهم بكل بساطة — وظيفة تلائم كل المحددات السابق ذكرها — مباشرة. إن كان يمكنك عمل ذلك، فلا تتردد على الإطلاق. لكن بالنسبة للكثيرين، سيتعين عليك بناء مهاراتك وعلاقاتك وقدراتك وشخصيتك — وهو ما نطلق عليه « رأس المال المهني». إذا قمت بعمل ذلك، يمكنك التوصل لمجال واسع من الخيارات أكبر بكثير مما تتخيل امتلاكه اليوم.

في المقال القادم، سندرس كيفية بناء رأس مال مهني وكيفية تحضير نفسك لنجاحك المهني على المدى الطويل.


المنشور الأصلي: Benjamin Todd (2014) Which jobs help people the most?, 80,000 Hours, أكتوبر.